الإباضية بين الفرق الإسلامية لعلي معمر
الجزء ١ · صفحة ٢٣٧لقد أثيرت مشاكل أصول العقائد في أزمنة مختلفة وأماكن مختلفة كما قلت سابقًا، ولم تكن حينئذ الكتل المذهبيَّة قد تكونت بعد وتميزت، وإنَّما كان أفراد العلماء يصدرون آراءهم، كلّ حسب فهمه واجتهاده، ومضت فترة من الزمنتبلورت فيها تلك الآراء واتخذت لها أشكالا مختلفة، واتضح منها أنَّ عددًا من العلماء تلتقي آراؤهم في أصل واحد أو أصول معينة، ثُمَّ نشت بعد ذلك البقات التعلمة المتعصبة فكونت المذاهب ونسبتها إلى أفراد من المجتهدين مِمَّن اشتهر فيما بعد. ثُمَّ عمل هؤلاء على جمع الأدلة والبراهين لتأييد المذاهب التي يعتنقونها فأصبحت الأدلَّة ولا سيما الأدلَّة النظريَّة حقًّا مشاعًا للجميع يجمع منها كلّ مذهبي مايراه مؤيدًا لمذهبه، وهذه الصورة تتضح عند المؤلفين المتأخرين من القرن الثالث فيما بعد، ولا يستطيع الباحث أن يقول هذا برهان معتزلي أو إباضي أو أشعري أو ماتريدي.
ولو رجع نلينو في قضايا أصول علم الكلام لوجد التقارب بين الماتريديَّة والمعتزلة أكثر من التقارب بين المعتزلة والإبَاضِية أكثر من التقارب بين الأشاعرة والماتريديَّة رغم أنَّ كتاب المقالات وأكثر المؤرخين يحشرون الماتريديَّة في طابور أهل السنة ويحشرون الإبَاضِية في طابور الخوارج وها هو المستشرق نلينو يحاول أن يحشر الإبَاضِية والشيعة في طابور فرعي ينفصل عن طابور المعتزلة، ولو تأمل الأدلَّة والبراهين التي يستند إليها كلّ من هؤلاء لوجدها تتفق وتتشابه في الأصل الذي يتفقون عليه وربما كان أسلوب الماتريديَّة والمعتزلة في الاستدلال والمناظرة يجري على منهج واحد في أكثر القضايا الكلاميَّة.