الإباضية بين الفرق الإسلامية لعلي معمر
الجزء ١ · صفحة ٢٣٨فدعوى الأستاذ نلينو أنَّ إبَاضِية شمال إفريقيا أخذوا أصول عقيدتهم من المعتزلة دعوى لا تستند إلى أساس سليم. لا لأنَّ الفرق الإسلامية لم يتأثر بعضها ببعض، أو أنَّ الإبَاضِية لم يتأثروا بغيرهم من المذاهب الإسلامية أو يتأثر بهم غيرهم. فهذا زعم لا يخطر علىالبال، وإنَّما الذي أريد أن أنفيه في هذا الفصل هو زعم نلينو أنَّ الإبَاضِية أخذوا أصولا معينة من المعتزلة مع العلم أنَّ هذه الأصول كانت مطروحة للنقاش ــ إنْ صحّ هذا التعبير ــ قبل أن تكون المذهبيَّة الملتزمة وقد كان علماء الإبَاضِية يناقشونها بنفس المستوى الذي يناقشها به علماء المذاهب الأخرى حين أثيرت.
وحتى لو تحددت الأسبقية في قول من الأقوال ونسبت إلى عالم معيَّن من مذهب معيَّن، فلا يعني ذلك أنَّ المذاهب التي جاءت من بعد واتخذت لها نفس الآراء، أنَّها بالضرورة أخذت عنه لأنَّها في الغالب تكون أخذت من نفس المصدر الذي أخذ هو منه ــ الكتاب والسنة ــ ونحن لا نزعم أنَّ المعتزلة أخذوا من الإبَاضِية لأنَّ ــ واصلاً بن عطاء ــ إمام المعتزلة كان تلميذًا في مجلس الحسن البصري حين كان إمام الإبَاضِية جابر بن زيد زميل الحسن وصديقه قد استقرَّ على عقائد محدَّدة في المشاكل التي أثيرت في تلك الفترة واتخذ فيها موقفًا نقله عنه طلابه فلا شكَّ أنَّ جابرًا سبق واصلاً ولكننا مع ذلك لا ندَّعي أنَّه أخذ عنه. ولعل من الأمثلة التي توضح هذه النقطة هو موقف الإبَاضِية والمعتزلة من مشكلة الرؤية مثلاً.