الإباضية بين الفرق الإسلامية لعلي معمر
الجزء ١ · صفحة ٢٥٦كثيرًا على إمام الواصليَّة المعتزلة. وتكون فلسفة الإبَاضِية في الإدارة الإنسانيَّة والعدل الإلهي (القدر) قد تبلورت قبل أن يظهر واصل بن عطاء بمذهبه».
وبعد أن شرح فلسفة الإبَاضِية في القدر يقول:
«وعن هذه الفلسفة كان الإبَاضِية ينافحون ويكافحون، ضدَّ الفرقتين الضالتين اللَّتين أحدثتا بدعة الجبر، وبدعة خلق الأفعال».
فأنت ترى أنَّ المذهبين حادثان وأنَّ فلسفة الإبَاضِية أقدم منها، وهي متمسكة بالأصل الذي سبق الإجماع عليه.
وَأَمَّا بدعة الخوارج الذين جعلوا المعاصي العلمية كلّها شركا يحل بها الدم والمال وسبي الذريَّة فإنها محدثة كذلك. وكان جابر بن زيد، وأبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة من أكبر تلامذته وعبد الله بن غباض وغيرهم من أتباع جابر يناظرون الخوارج.
وقد نقلنا فيما نقلناه لك قبل قول صاحب السير في عبد الله بن إباض: «وله مناظرات مع الخوارج وغيرهم اهـ. وفي السير أيضًا ص76 قال ضمام كان جابر يأتي الخوارج فيقول لهم: أليس قد حرَّم الله دماء المسلمين بديانته … إلخ اهـ. فأنت ترى أنَّ جابرًا أسبق هذه الفرق وكان يناظرها، وسلك تلامذته طريقته هذه في المناظرة في حياته وبعد وفاته»«» ثُمَّ عرض لموضوع خلق القرآن: فشرح رأي الإبَاضِية في الموضوع بإيجاز ووضوح ثُمَّ قال: «وبناء على ما تقدَّم يمكن أن تعتبر الإبَاضِية أساتذة الفرق الإسلاميَّة في تأصيل قضايا العقائد» انتهى المقصود منه.
ويسرني في ختام هذا الفصل أن أذكر بالثناء الجم هذا المجهود االقيم الذي بذله المستشرق الكبير نلينو في هذا البحث الذي كان يهدف منه ــ فيما يبدو ــ إلى كشف علمي محض ولا يضيع هذا المجهود القيم أننا نختلف معه في بعض الكليات أو الجزئيات، أو وجهات النظر، وأنَّ ما كان هو مقتنعًا به ويراه حجة، لم نقتنع نحن به، ونراه شبهة تتضاءل عند المناقشة والبحث، فإنَّ الإخلاص العلمي في البحث والتجرُّد له، كفيل بأن يبعث على الشكر والتقدير.