الإباضية بين الفرق الإسلامية علي بن يحيى معمر

الإباضية بين الفرق الإسلامية لعلي معمر

الجزء ١ · صفحة ٢٦٧

والمذهب الإباضي ليس بدعا من المذاهب الإسلامية، فقد كان الخلاف يقع بين العلماء فيتناقشون فيه، ويستطيع بعضهم أن يقنع بعضاً، وقد يصرُّ كلُّ واحد منهم على رأيه، وقد يخالف أحد العلماء مِمَّن سبقه في فتوى، فينتج عن كلِّ ذلك تعدُّد الأقوال في المسألة الواحدة.

ومن العسير أن يحدّد الباحث الخلاف الأوَّل عند الإباضية، أو المسألة الأولى التي اختلفوا فيها، ولكنه يستطيع أن يجزم أنَّ الخلاف داخل المذهب قد كان يقع منذ تكوينه، فقد خولف جابر بن زيد في مسائل جرى العمل فيها بغير فتواه، كما خولف الإمام مالك في مسائل يجري العمل فيها بغير فتواه، ويستنتج من كتب الإباضية أنَّ أوَّل خلاف جدِّيٍّ وقع بين الإباضية كان في عهد الإمام أبي عبيدة.

كانت مسألة القدر في ذلك الحين هيَ مشغلة العقول والأفهام عند العلماء والمتكلِّمين، وكان الإبَاضِية يقفون منها موقفا مناهضا للمعتزلة، وكان من زملاء أبي عبيدة: حمزة الكوفي، وعطية، وغيلان، فقالوا بالقدر، وحاول أبو عبيدة وأصحابه إقناعهم بأنَّهم أخطأوا، وعليهم أن يتوبوا، فلم يقتنعوا، واستمسكوا بعقيدتهم، فلمَّا يئس منهم الإمام أبو عبيدة تبرَّأ منهم، وأمر أصحابه أن يتبرَّأوا منهم، وأن يبعدوهم عن مجالسهم خوفا منهم أن يؤثِّروا على العوام، وانقطعت الصلة بينهم وبين الإباضية منذ ذلك الحين، ولعلَّهم انضمُّوا إلى بعض فرق المعتزلة، ولم يعد يتحدَّث عنهم أحد من الإباضية - كأفراد من الإباضية - ولم يعتبروهم أئمة لفرقة مستقلَّة أو داخلة تحت فرق أكبر.

٢٦٧ / ٥١١