الإباضية بين الفرق الإسلامية لعلي معمر
الجزء ١ · صفحة ٢٧٦أمَّا أبو يزيد بن كيداد فقد كان يوجه نقده الاذع إلى الدولة العبيديَّة ويدعوا إلى الخروج عنها وقد التفَّ حوله النكار، وخدع به المالكيَّ أيضًا فأيده كبار علمائهم ودعوا الناس إلى مناصرته فقام بمغامراته المعروفة في التاريخ والتي أضاف فيها إلى مقالات النكار النظرية مقالات أخرى سلوكية بعضها يخالف الإبَاضِية فقط وبعضها يخالف الإسلام في أصوله وجوهره. أمَّا الإبَاضِية فقد كانوا يعرفونه منذ كان صغيرًا، فقد برئوا منه وهو لا يزال في حلقات الدروس تلميذًا متعلمًا ولكنه مشاغب مشاكس، ينحوا إلى الخلاف ويرنوا إلى الزعامة والتسلط فلمَّا بدأ القيام بمغامراته لم يغتروا كما اغتر به المالكية فلم ينظموا إليه ولم ينصروه ووقفوا منه من ومن خصومه موقف الحيادي الكامل. ولذلك قال له أحد أتباعه: «لا تظن أنَّ الوهبيَّة خرجوا معك، فإنَّهم في مساجدهم، وإنَّما خرجنا معك نحن، نشاركك في أكل هذه الميتة، فدع عندك ما تحدث به نفسك، وإذا اقتتلنا قتال كلاب الحي» وشرح أبو العباس الدرجيني هذه العبارة بقوله نريد: «يريد بالميتة الأموال التي كانوا ينتهبونها».
ولعل أعظم فترة لازدهار فرقة النكار كانت في هذه الفترة التي انتمى فيها إليهم أبو يزيد بن كيداد. فلمَّا قتل أبو يزيد شرد العبيديون أتباعه في كلّ مكان وانتقم منه المالكية الذين اغتروا بهم وساعدوهم في أوَّل الأمر ثُمَّ ندموا لما عرفوا حقيقة قائدهم، ولم يسمح لهم الإبَاضِية بالحياة في أراضيهم وبلدانهم خوفًا منهم على عقائد أبنائهم وتتبعهم خصومهم من العبيديين والمالكية بالسيف ومن الإبَاضِية بالمحاججة والاقناع وتعاونت هذه الوسائل كلّها عليهم فانتهى أمرهم بعد زمن يسير، ولا يوجد الآن أحد من الناس على مذهبهم فيما أعلم.