الإباضية بين الفرق الإسلامية لعلي معمر
الجزء ١ · صفحة ٢٨لقد علم القارئ الكريم أن أبا الحسن الأشعريَّ كان يحسب أنَّ الإباضيَّة يتكوَّنون من الفرق السابقة التي ناقشناه فيها، والتي اثبتنا للقارئ الكريم بأنَّه لا صلة بينها وبين الإباضيَّة، وفي حديثه عن تلك الفرق كان يعرض ــ حسب ظنِّه ــ مقالات الإباضيَّة ونحن في هذا الفصل سوف نحاول أن نكشف أنَّ أبا الحسن في عرضه لتلك المقالات كان أيضًا عرضة للاِنسياق مع قوم غلب عليهم حبُّ التشنيع، فالتجأوا إلى الغموض والإبهام حينًا، وإلى عبارات موهمة لمعان غير محدودة أو غير مقصودة حينًا آخر، كما تساهلوا في إضافة أقوال أو تغييرها لإثبات ما يريدون.
يقول أبو الحسن في كتابه مقالات الإسلاميِّين(1) وهو يتحدَّث عن الإباضيَّة: «وجمهور الإباضيَّة يتولَّى المحكِّمة كلَّها إِلاَّ من خرج، ويزعمون أنَّ مخالفيهم من أهل الصلاة كفَّار وليسوا بمشركين، حلال مناكحتهم وموارثتهم، حلال غنيمة أموالهم من السلاح والكراع عند الحرب، حرم ما وراء ذلك، وحرام قتلهم وسبيهم في السرِّ، إِلاَّ من دعا إلى الشرك في دار التقيَّة ودان به، وزعموا أنَّ الدار ــ يعنون دار مخالفيهم ــ دار توحيد إِلاَّ معسكر السلطان فإنَّه دار كفر يعني عندهم.
وحكى عنهم أنَّهم أجازوا شهادة مخالفهم على أوليائهم، وحرَّموا الاستعراض إذا خرجوا، وحرَّموا دماء مخالفيهم حتَّى يدعوهم إلى دينهم، وقالوا إنَّ كلّ طاعة إيمان ودين، وإنَّ مرتكبي الكبائر موحدون وليسوا بمؤمنين».
ويقول في موضع آخر من الكتاب:
«والإباضيَّة يقولون: إنَّ جميع ما افترض الله سبحانه على خلقه إيمان، وأنَّ كلّ كبيرة هي كفر نعمة لا كفر شرك، وأنَّ مرتكبي الكبائر في النار مخلَّدون فيها.
(1) - مقالات الإسلاميين الجزء الأوَّل طبع مكتبة النهضة ص 170.