الإباضية بين الفرق الإسلامية لعلي معمر
الجزء ١ · صفحة ٢٨٤والمخلص من هذه الصورة التي وضعناها لنفاث وللأحداث المتصلة به يتبيَّن أنَّ كتاب المقالات والمؤرخين أيضًا بالغوا حين زعموا أنَّ نفاثًا إمامًا لفرقة وبالغوا أيضًا حين زعموا أنَّ هناك فرقة تسمى النفاثية والواقع أنَّه ليس هناك فرقة لا تحت العنوان العام (الاسلام) ولا تحت العنوان الخاص (الإبَاضِية) بحيث تعتبر كتلة مستقلة بمادئها وشعاراتها وإنَّما كلّ ما في الأمر أن هناك رجلا له موقفان موقف فقهي اجتهد فيه في مشائل خالف فيها الجمهور ومثاله في الأمة الإسلامية كثير وعند الإبَاضِية كثير وفي كلّ مذهب أيضًا كثير، ويستطيع الباحث أن يضع كشوفًا طويلة في كلّ مذهب للعلماء الذين اجتهدوا وخالفوا في مسائل، ولو جرينا على هذا الأسلوب لما وقف عدد الفرق عند حد ويستطيع المتنطع الآن أن يسمي الصالحية والطفيشية والحموية والبيوضية وغيرها كثير لأن لكلّ واحد من هؤلاء اجتهادات في مسائل خالف فيها الآخرين وهذا منطق غير مقبول فهم مجتهدون داخل المذهب اجتهادًا مطلقًا ويكفي هذا وقد يكون الواحد منهم مجتهدًا في المسألة نفسها فقط.
الموقف الثاني موقف سياسي وقد أوضحنا جوانبه وأسبابه ولا شكَّ أنَّ نفاثا جر على نفسه سخط الإبَاضِية بموقفه هذا ففي الوقت الذي يكاد يجمع فيه الناس ــ الإبَاضِية وغير الإبَاضِية ــ على عظمة الإمام أفلح وعلوا كعبه في العلم ــ حتَّى اعتبر من الأئمة ــ واشتهار عدالته ونزاهته يأتي نفاث يصرخ منتقدًا هذا الإمام العظيم وحين لا يسمح له أحد كأنما يصيح في واد يخرج من البلد ثُمَّ يعود إليه وقد اقتنع ــ بما رأى وسمع ــ أنَّه كان على خطأ.
وعلى كلّ حال فهذا الموقف لا يزيد عن كلّ مواقف الساخطين على الأئمة وهم موجودون في كلّ زمان ومكان ولعل مزيته أنَّه لم يبلغ به إلى رفع السلاح.
والخلاصة من هذا البحث كلّه أنَّه ليس هناك فرقة تسمى النفاثية رغم ما ذهب إليه المؤرخون وكتاب المقالات.