الإباضية بين الفرق الإسلامية لعلي معمر
الجزء ١ · صفحة ٣٠٥فقد كان هناك ناس عاشوا في عز الإمارة وبذخها، واستمرأوا طعمها، وألفوا جورها، واعتادوا تلك النظم القائمة، وأصبحوا لا يروقهم أن يعيشوا تحت حكم عادل يمسك أيديهم، ويحزم بطونهم، ويساوي بينهم وبين غيرهم من الناس، ولعل أصدق شاهد على هذه الصورة لا بالنسبة لفرقة من فرق المسلمين ولكن للأمة الإسلامية جمعاء هو موقف أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز حين جمع بني أمية وطلب منهم أن يتخلوا عمَّا بأيديهم من الأموال التي وصلت غليهم عن طرق غير عادلة بسبب القرابة التي تربطهم بملوك وأمراء بني أمية السابقين، فامتنعوا عن التخلي عنها فقال لهم: «وأيم الله لولا أن تستعينوا بمن أطلب له حقه من هذا المال علي فتقاتلوني بهم ما خرجتم منها أو تتركوه».
فرجال السياسة في الدولة الجائرة لا يرضيهم أن يقوم العدل في دولتهم ولا حتَّى أن يقوم في دولة بجانبهم، لأنَّ الحكم العادل كفيل بأن يكشف للناس عن مساوئ حكمهم وأن يطلق ألسنتهم بالنقد وربما بالنقمة ثُمَّ بالثورة، وذلذلك فهم يجندون كلّ ما عندهم من قوَّة وإمكانيات لإخراس الألسنة المنتقدة، والأيدي المتحركة في دولهم القائمة وللقضاء على أي حكم نظيف، يقوم إلى جانبهم بكلّ أنواع الحرب، من كيد ودعاية كاذبة، وتشويه للحقائق، وتشنيع، وتعذيب وضرب بالسيف إنَّ اقتضى الأمر ذلك في نظرهم.