الإباضية بين الفرق الإسلامية علي بن يحيى معمر

الإباضية بين الفرق الإسلامية لعلي معمر

الجزء ١ · صفحة ٣٠٦

رأى الإبَاضِية أنَّه ما دام هذا النموذج من الدول موجودًا، وأنَّه ليس في الامكان القضاء عليه، والاتيان بحكم خير منه، فعليهم أن يجتنبوا المجال السياسي، وأن يبتعدوا عن كراسي الحكم، وأن يتركوها للمتنازعين عليها، المتحاربين بسببها، وقد وقفوا هذا الموقف وسلكوا هذا المسلك، فلم يقم منهم قائم يدعوا لنفسه أو يعمل لغيره، أو يساعد أحدًا للوصول إلى الحكم منذ أواخر الثالث الهجري، وقد واتت فرص لبعضهم لو أراد أن يستغلها لنفسه. أو يساعد عليها غيره، للوصول إلى الحكم، أو تكوين الدول أو الحصول على الولايات والإمارات، ولكنهم لم يفعلوا ذلك. وعندما اقترح متطرحون على بعض الزعماء أن يبايعوهم بالإمارة وأن ينطلقوا بالدعوة لهم رد عليهم أولئك الزعماء بأنَّه لا جدوى من ذلك وأن الأضرار التي تنجم عن تلك الحركات أكثر مِمَّا يتوقع منها من فوائد وأيَّد العلماء هذا الاتجاه فأعرضوا نهائيًّا عن فكرة الوصول إلى الحكم أو العمل على تغييره، ووقفوا هذا الموقف السلبي منذ أواخر القرن الثالث الهجري إلى اليوم.

ولا شكَّ أنَّه يجب عليَّ هنا أن أوضح للقارئ الكريم أنَّ هذا الموقف كان لإباضية المغرب الإسلامي (شمال إفريقيا) أمَّا الإبَاضِية في عمان فقد بقيت عندهم الدولة قائمة مستقلة عن دور الخلافة منذ انتهاء الخلافة الرشيدة إلى الاحتلال الانجليزي في هذا العصر، ما عدا فترات قصيرة جدًّا سقط فيها الحكم في عمان.

ولقد كان الحكم في عمان يجري على منهج نظيف يشبه الخلافة الرشيدة في فترات طويلة، وكان يجري أحيانا على غرار الحكم الظالم والملك العضوض من الظلم والاستبداد. فعندما تحس الأمة بقوتها تقوض أركان الحكم الإسلام المستبد وتعلن الخلافة ما شاء الله وقد يقوم سلاطين الجور فينحرفون بالحكم.

والآن وقد يسَّر الله للأمة الاسلاميَّة طرد الاستعمار المادي من أغلب أراضيها فلعلَّه سبحانه ييسر لها أن تطهرها أيضًا من جميع مخلفاته وبقايا أرجاسه.

٣٠٦ / ٥١١