الإباضية بين الفرق الإسلامية علي بن يحيى معمر

الإباضية بين الفرق الإسلامية لعلي معمر

الجزء ١ · صفحة ٣٤٣

وابن حزم في قوله هذا يزعم أنَّ الاكثرية منهم يتيمَّمُونَ وهم مقيمون على الآبار التي يشربون منها. فكيف عرف هذه الاكثريَّة؟ وكيف أتيح له أن يراهمَ على آبارهم يتيمَّمُون، فهل كان من عادتهم إذا أراد أحدهم الصلاة أن يذهب إلى البئر ثُمَّ يجمع التراب ويتيمَّم؟ إنَّه لو زعم أنَّه رأى فردًا أو أفرادًا أو حتَّى جماعةً منهم يفعلون ذلك لاحتمل كلامه التصديق. ويحتمل حينئذ أن يكون ذلك المتيمم أو المتيممون على البئر متهاونين بأحكام الطهارة أو معذورين بعذر شرعي خفي على ابن حزم. أمَّا أن يزعم أنَّ هذا عمل الاكثريَّة فهذا باطل من القول، تردُّه طبيعة السلوك عند المسلمين عمومًا، وعند الإبَاضِية خصوصًا.

على رؤية فرد أو أفراد يتهاونون بحد من حدود الله، من أي مذهب وفي أي عصر، أمر محتمل الوقوع، ولكن ذلك لا يدلُّ على أنَّه عمل الاكثريَّة من أصحاب ذلك المذهب، كما أنَّه لا يدلُّ أبدًا على أنَّ ما يفعله أولئكَ المتهاونون هو رأي أو قول في المذهب. فلو رأينا مجموعة من الناس من أي مذهب كان ــ إباضيًّا مالكيًّا أو شافعيًّا أو حنبليًّا أو غيرها ــ يصلون بدون طهارة أو يشربون الخمرة ــ مهما كان عدد تلك المجموعة ــ لم يصح لنا أن نقول أنَّ أكثرية المذهب الفلاني تفعل كذا أو تبيح كذا استنادًا إلى تلك المشاهدة، وإنَّما يجب أن تنسب الفعل إلى من يقوم به فقط.

لأنَّ ذكره في سياق الحديثعن آراء المذهب ومقالاتها يوحي بأنَّ قواعد المذهب هي التي تجيز ذلك العمل، وهذا خطأ واضح فاحش.

إنك الآن قد تدخل إلى بعض البلدان الاسلاميَّةفي رمضان فتجد المقاهي ومطاعم مفتوحة دائمة الحركة، والناس يتردَّدُون عليها يتناولون منها فهل يحقّ لك إذا رأيت ذلك في بلد يغلب على أهله مذهب معيَّن أن تقول أنَّ أكثريَّة أصحاب ذلك المذهب يأكلون في رمضان استنادًا إلى ما رأيته؟

٣٤٣ / ٥١١