الإباضية بين الفرق الإسلامية لعلي معمر
الجزء ١ · صفحة ٣٦٢ومن التحكّم المخالف للمنطق والعقل وطبيعة الحياة أنَّ نأتي إلى رجل من الزيديَّة ــ مثلاـ قد درس الاسلام علَّة مذهبه، وحافظ عليه محافظة المؤمن التقي الذي يخشى الله بالغيب فنقول له: أنت مبتدع ولا يمكن أنَّ تكون من أهل السنَّة إِلاَّ إذا درست مذهب ابن حنبل وعرفت الاسلام على طريقه، وأعلنت أنَّك من اتباعه، ثمَّ ناتي إلى رجل قد غلب عليه شحَّ نفسه واستعبدته أهواؤه فترك بعض ما فرض عليه الاسلام، وارتكب بعض ما نهاه عنه فنقول له: أنت من أهل السنَّة لأنَّك تتَّبع مذهب أحمد أو مذهب محمَّد.
أهل السنَّة هم الأتقياء الصالحون من أيِّ مذهب كانوا والمبتدعة وأهل الأهواء هم الفسقة والفجرة ولو لبسوا جبَّة جابر وطيلسان مالك وعمامة أحمد واتخذوا لمظهرهم سمت زيد وجعفر لقد آن لتلك المفاهيم ــ التي أملاها التطرُّف في التعصُّبات ــ أنَّ تختفي.
وآن للمؤسَّسات العلميَّة الإسلاميَّة أنَّ تغيِّر منهاجها ودراساتها وآن لمن يهتمُّ بالإسلام والمسلمين في هذا العصر أنَّ ينظر نظرة أخرى يمليها واقع الحياة للأمَّة المسلمة ضمن الإطار العام لمبادئ الاسلام.
لقد عاش الأزهر الشريف عهدًا طويلاً محتكرًا لأربعة مذاهب، وعاش معهد الزيتونة قرونًا عديدة محتكرًا لمذهبين، وكذلك عاشت كثير من المعاهد والمؤسَّسات العلميَّة في مختلف البلاد الإسلاميَّة محتكرة لمذهب أو مذاهب محدَّدة، وكانت تلك المعاهد كلها تنسب إلى نفسها أنَّها حاملة الشريعة وحامية السنَّة وترمي غيرها بالابتداع واتِّباع الهوى، والواقع أنَّها هي نفسها كانت المبتدعة على أقلّ تقدير في رميها لغيرها بالإبتداع.