الإباضية بين الفرق الإسلامية علي بن يحيى معمر

الإباضية بين الفرق الإسلامية لعلي معمر

الجزء ١ · صفحة ٣٨

وقالوا: لا يتبع المدبر في الحرب إذا كان من أهل القبلة موحِّدًا، ولا تقتل منهم امرأة ولا ذرِّيَّة، وأباحوا قتل المشبِّهة وأتباع مدبريهم وسبي نسائهم وذراريهم وقالوا: إنَّ هذا كما فعل أبو بكر بأهل الردَّة».

وبعد هذا يعيد قصَّة بيع الإماء وسوقهنَّ الحامية التي نقلتها لك عن أبي الحسن الأشعريِّ، ولعلَّ القارئ الكريم يدرك بعد قراءة ما سبق أنَّ البغداديَّ قد اعتمد كلَّ الاعتماد على الأشعريِّ، ورغم حرصه على التصرُّف القليل فإنَّ عبارة الأشعريِّ بحروفها كثيرًا ما تطلُّ من هنا أو هناك.

والذي يدعو إلى التأمُّل هو أنَّ البغداديَّ قد اعتبر الإبَاضِية من الخوارج، وأنَّهُم لذلك فرقة ضالَّة ويجب أن يقال عنها فضائح ويلتمس لها شنائع، وذهب يورد تلك الفضائح أو الشنائع حينًا بدعوى أنَّها مقالة الإباضيَّة جميعًا وحينًا آخر بدعوى أنَّها قول بعضهم أو قوم منهم.

إنَّ البغداديَّ كان يعيش في القرنين الرابع والخامس، وفي هذا العصر كان الإبَاضِيَّة قد عرفوا في أغلب البلاد الإسلاميَّة من خراسان إلى الأندلس، واشتهرت لهم مؤلَّفات في أغلب فروع الثقافة الإسلاميَّة ــ لا سيما علم الكلام ــ ودوِّنت تواريخهم وسيرهم وعرف علماؤهم وأئمَّتهم في طبقات يأخذ بعضها عن بعض إلى أصحاب رسول الله (ص).

كما أنَّ أكثر المذاهب الإسلاميَّة قد تميَّز بعضها عن بعض في أصولها وفروعها، وآرائها ومقالاتها وأئمَّتها وعلمائها. ومع ذلك فإنَّ أولئك الذين ذكرهم البغداديُّ هم أولئك الذين ذكرهم الأشعريُّ من قبله حاشرين إيَّاهم في الإبَاضِيَّة، والإبَاضِيَّة لا يعرفون عنهم شيئًا لم يذكروهم لا في كتبهم ولا في طبقات علمائهم.

٣٨ / ٥١١