الإباضية بين الفرق الإسلامية لعلي معمر
الجزء ١ · صفحة ٣٩إنَّ البغداديَّ قد سلك المسلك الذي سلكه من قبله الأشعريُّ، وقد علمت في الفصول السابقة أنَّ أغلب ما كتبه عن الإبَاضِيَّة ونسبه إليهم لا يمتُّ إليهم بصلة ــ وأنَّ البغداديَّ وهو يسلك نفس المسلك ويعتمد نفس المصادر هو الآخر لا يعرف شيئًا عن الإبَاضِيَّة. وأنَّ كلّ ما كتبه عنهم سواء كان حقًّا أو باطلاً فإنَّما هو تشنيعات وتلفيقات إليه عن ناس يريدون أن يوقدوا نار الفتنة ضدَّ الإبَاضِيَّة، وأن يجعلوهم مكروهين من بقيَّة إخوانهم المسلمين فينسبون إليهم عقائد ومقالات يبرأون منها وممَّن يقول بها، ويسوقون عنهم أقوالاً في غاية الغموض والإبهام، لإثارة الرأي العامِّ ضدَّهم وقد يفسِّرون بعض الجمل أو الكلمات تفسيرًا غير صحيح ولا مقصود عند الإبَاضِيَّة لزرع وَهْم في نفوس الآخرين. ولا شكَّ أنَّ أصابع السياسة الماكرة وراء كلّ ذلك وأنَّ هؤلاء العلماء الذين يكتبون إِنَّمَا تلقَّوا معلوماتهم عن مصادر مستغلَّة أو مستغفلة، مع العلم أنَّ لديهم الاستعداد الكافي لتلقِّي وتصديق كلِّ ما يقال لهم عن تلك الفرق التي حكموا عليها بالضلال مسبقًا.
ومن نافلة القول أن نعيد هنا ما أشرنا إليه سابقًا من أنَّ البغداديَّ قد زعم كما زعم غيره أنَّ الإبَاضِيَّة من الخوارج، وأنَّ هذه الفرقة من الفرق التي لا يجوز للسنِّيِّ أن يصلِّي عليها ولا أن يصلِّي وراءها، وأنَّه لا يجوز للسنِّيِّ حسب زعمه أن يتزوَّج منها، ولا أن يأكل من ذبائحها. وقد ردَّد هذا الكلام في مقدِّمة الكتاب، وفي الفصول الختاميَّة منه أورد هذه الأحكام بشيء من التفصيل وزاد عليها ونسب بعض هذه الأحكام إلى أئمَّة عظام.
وأحسب أنَّه لا دعوة أشدُّ إيقادًا لنار الفتنة، وشقًّا لصفوف الأمَّة، وتفريقًا لوحدة الكلمة وتمزيقًا لشمل المسلمين، من هذه الدعوة.