الإباضية بين الفرق الإسلامية لعلي معمر
الجزء ١ · صفحة ٣٨١فإذا انتقنا إلى من هذه الدائرة الثالثة وهي دائرة الأحكام المتعلِّقة بالمسائل الفقهيَّة أصولاً وفروعًا نجد أن المسلمين جميعًا بمذاهبهم المختلفة متَّفقون على الأصول فلو سألت أي عالم من أي مذهب عن مصادر التشريع لأجابك بسرعة هي: الكتاب والسنَّة. فإذا جئت إلى التفاصيل تثير الجدل والصخب وتوجيه الاتهامات وإلصاق اللَّوازم. والذي ينبغي أن ننتهي إليه بعد هذا العرض المجمل أن نعتبر جميع المذاهب الإسلاميَّة على مستوى واحد في المعاملة بعد ما اتَّفقوا كما رأينا على الأصول، وأن نبعد التحكُّم في إصدار الأحكام فليس من حقِّك أن تحمل الآخرين على أن ينظروا في فروع مسألة ما من الزاوية التي تنظر منها وإلاَّ اعتبرتهم مبتدعة أو أصحاب أهواء وليس من حقِّك أن تفرض فهمك على الناس ثمَّ تتحكَّم في إفهامهم فمن وافقك ضممته إليك ومن خالفك حكمت بفسقه أو كفره، إن الله تبارك وتعالى هو إله للجميع والجميع يتساوون في عبوديتهم له ويتنافسون في التقرُّب إليه عبر يد الطاعة وامتثال الأوامر والحرص على العمل الصالح، وايس درجات القرب منه تعالى مبيَّنة علَّة المذاهب وإنَّما هي مبيَّنة على العمل الصالح مع الأفراد ــ دون ارتباطهم بمذهب ــ وعلَّة صحَّة العقيدة.
وقد رأينا أن المسلمين متَّفقون على أصول العقيدة. أمَّا ما جاء بعد ذلك من خلاف من فهم النصوص من الكتاب والسنَّة واستخراج الأحكام العملية منها فإن الله تبارك وتعالى هو الذي أراد ذلك رحمة بهذه الأمَّة وتوسعة عليها ولو شاء لحدَّد كلّ شيء في نصوص لا تحتمل التأويل أو الخلاف.