الإباضية بين الفرق الإسلامية لعلي معمر
الجزء ١ · صفحة ٣٨٧ولا شكَّ أن الإمام الشوكاني نقل لنا ما نقل عن علماء طوائف معيّضنة من الأمَّة الإسلاميَّة، وأقوالهم تمثّل نظرة هذا الجانب فقط ولو أتيح لنا أن ننقل عن مؤلِّف آخر من الجانب الثاني لوجدنا عنده ما يشبه ما أورده الشوكاني ولكن بطريقة عكسيَّة.
ومع لإقتصار على هذا الجانب الذي عرضه الإمام الشوكاني فقط فإنَّك تجد الإجماع قد انتقل عن تلك الصورة الرائعة من التعميم والشمول للأمَّة الإسلاميَّة جمعاء إلى فكرة تتنازعها المذهبيَّة، وتحاول أن تحتكرها فلو أخذت في الإعتبار جميع الأقوال السابقة فأخرجت من الإجماع الحنابلة والظاهريَّة لأنَّهم لا يقولون بالقياس، واخرجت المعتزلة والشيعة والخوارج وأخرجت الفقهاء والأصوليين. فماذا يبقى من الأمَّة الإسلاميَّة، وهل يبقى للإجماع معنى إذا أخذت بقول من يرى أن الإجماع العترة يكفي أومن يرى أنَّ إجماع أهل الحرمين يكفي أو من يقول إذا أجمع أهل المدينة فلا يعتدُّ بخلاف غيرهم.
إن الصورة الرائعة لمفهوم الإجماع من الأمَّة الإسلاميَّة عامَّة لم تزل تضؤل وتضؤل حتَّى أصبحت في نطاق مدينة واحدة بل حتَّى تلاشت، وذلك أن كلمة أهل الأهواء والبدع تهمة متبادلة يقولها أهل السنَّة في المعتزلة، ويقولها المعتزلة في أهل السنَّة وهما يقولانها في الشيعة والشيعة تقولها فيهما، وهم يقولونها في الخوارج والخوارج يقولونها فيهم، وبهذا لا يعتدُّ بإجماعهم جميعًا لن كلّ واحد منهم صاحب هوى وبدعة في نظر الآخرين.