الإباضية بين الفرق الإسلامية لعلي معمر
الجزء ١ · صفحة ٣٨٨إنَّ كلمة أهل الأهواء والبدع ــ هذه التهمة خطيرة التي كان يتقادفها أنصار المذاهب والفرق كما تتقادف الفرق الرياضيَّة كرة المطاط، لا تلمسها رجل حتَّى تتركها إلى رجل فرقة مضادَّة، ولا تطير في اتجاه هدف حتَّى ترتد طائرة إلى الهدف المقابل ــ أن تختفي من هذا الميدان الفسخ الذي يصطفَّ فيه المسلمون باختلاف مذاهبهم وفرقهم، لأنَّهم باختلاف فرقهم وشعاراتهم يكوِّنون إتحادًا واحدًا عظيمًا يقف متراص الصفوف ليجابه التحدِّيات.
إنَّه لا يحقُّ لأي واحد سواء كان يقف في الساحة منفردًا أو كان يحمل شعار فرقة، أن يحكم على فرقة أخرى بالخروج من ميدان الإسلام الفسيح أو من الحرمان من الاشتراك في أي عمل تقوم به الأمَّة الإسلاميَّة ككل. وهذه الفرق المتكاملة بشعاراتها المختلفة هي التي أعطت الصورة الكاملة للأمة المسلمة، لأنَّ كلّ واحدة من تلك الفرق كانت تمثِّل جانبًا معيَّنًا وتبني من زاوية خاصَّة ولن يكتمل البناء إِلاَّ بوجودها جميعًا واشتراكها في إقامته معًا.
إن لكلِّ فرقة من الفرق الإسلاميَّة في خدمة الإسلام جهدًا مشكورًا سواء كرهنا أو رضينا، وسواء إعترفنا أو لم نعترف، وسواء وافق أمتجتنا أم لم يوافق.
وليس من حقّ أصحاب أيَّة فرقة أن يعتبروا أنفسهم هم ممثلي الإسلام يحكمون على غيرهم من الفرق والطوائف بالتفسيق أو التبديع أو التفكير.
لا يستطيع المسلم مهما كان مذهبه أن ينكر أن الخوارج ــ بأقسى وأقصى ما يوصفون به وينسبون إليه ــ قد قدَّموا للأمَّة الإسلاميَّة خدمة جلى، ولقد قاموا بكفاح مرير ــ حين استنام المسلمون وسكتوا عن الإنحراف بدولتهم من الخلافة إلى المالكيَّة، فأقاموا الحجَّة على المسلمين بسيوفهم وألسنتهم وأثبتوا بجدارة تستحق الإعجاب بون ما كان عليه الناس في الخلافة الرشيدة وما هم مقدَّمون عليه عند ما تسلطه الدكتاتوريَّة الملكيَّة على الحكم وأخرجته من نظام الشورى إلى نظام الملك العضوض.