الإباضية بين الفرق الإسلامية لعلي معمر
الجزء ١ · صفحة ٤٠٨ومروان في ذلك الحين لم يصل بعد إلى السلطة المباشرة وإنَّما كان يعيش في ظلال الخلافة الرشيدة، ولكن هذا لم يمنعه من الإحساس بأنَّ السلطة قد وصلت إلى أيدي الأموية، ويجب أن تبقى بها وهو لم يدافع عن أمير المؤمنين عثمان، بل إنَّه لم يعرض لهذا الجانب مطلقًا، وإنَّما اعتبر الملك ملك بني أميَّة وأنَّهم مستعدُّون من أجل ذلك للدفاع، وليسوا مغلوبين على ملكهم، وإنهم سينتقمون من كلّ من يعرض بالمعارضة.
فالموقف بين الحكم الأموي والمعارضين له لم يكن موقفا اختلفت فيه أنظار الإجتهاد في مسائل محدودة بين طرفين متَّفقين على الأصول. وإنَّما هو موقف يلتجئ فيه الجانب الأموي إلى السيادة الحاصلة في التغلُّب والقهر بالقوَّة وإلى استعمال السلطة في كلّ المرافق وحجَّته دائما هي ملكية اليد، وكثرة العدد، وصرامة العقاب ولم يلتجئ أبدا إلى أي معنا من معاني الحقّ لأنَّه لو التجأ إلى ذلك لخسر القضيَّة جملة وتفصيلا، ويلتجأ فيها الجانب المعارض إلى عدد من المواقف أشدُّها عدم الاعتراف بالحكم القائم، وأوسطه السكوت عن شرعيَّة الحكم، وإنَّما المطالبة بالعدل والالتزام، وأهونه الرَّد على أحداث معيَّنة محدَّدة أو الأخذ بالثأر لأشخاص معيَّنين.
بالنظر إلى الاعتبارات السابقة جميعا أحسب أنَّ تاريخ الخوارج يبدأ بعد قيام الدولة الأموية لأنَّه ليس كلّ من أطلقت عليهم كتب التاريخ إسم الخوارج هم خوارج حقيقة، وإنَّما الخوارج حقيقة هم طوائف محدودة، لها مقالات شاذَّة كانت كمبادئ وشعارات لهم لا يشاركهم فيها غيرهم أمَّا الأحداث والحروب التي وقعت في عهد بعض الخلفاء الراشدين فهي فتن بين الصحابة وقد انتهت بالفتنة التي وقعت بين أمير المؤمنين علي بن أبي طاب ومنكري التحكيم قرب النهروان وقد سمِّي هؤلاء بالمحكمة واشتهروا بها، أمَّا الألقاب الأخرى من الخوارج والمارقة وما إليها فقد جاءت فيما بعد بتوجيه سياسي لاستغلال ظروف معيَّنة.