الإباضية بين الفرق الإسلامية لعلي معمر
الجزء ١ · صفحة ٤١عاش ابن حزم الأندلسيُّ في القرن الخامس الهجريِّ، وقد عني هو الآخر بالمذاهب الإسلاميَّة وكتب عنها.
ويؤسفني أن أقول إنَّ العالم الكبير لم يوفَّق فيما كتب عن الإباضيَّة بل لقد تجنَّى عليهم في بعض الأحيان، وكلامه أحيانًا يهدم بعضه بعضًا هَدْمًا، كما أنَّ بعض دعاويه لا يمكن أن تصدَّق مهما حاول الإنسان أنْ يجد لها مبررات، وإلى القارئ الكريم الأمثلة.
يقول في كتابه (الفصل في الملل والنحل) ص 188 ما يلي:
«ذكر بعض من جمع مقالات المنتمين إلى الإسلام أنَّ فرقة من الإباضيَّة رئيسهم رجل يدعى فريد بن أبي أنيسة ــ وهو غير المحدِّث المشهور ــ كان يقول: إنَّ في هذه الأمَّة شاهدَيْن عليها: هو أحدهما والآخر لا يدري من هو ولا حتَّى متى هو، ولا يدري لعلَّه قد كان قبله، وأنَّ من كان من اليهود والنصارى يقول: لا إله إِلاَّ الله محمَّد رسول الله إلى العرب لا إلينا كما يقول العيسويَّة في اليهود، قال: فإنَّهم مؤمنون أولياء الله تعالى وإن ماتوا على هذا العقد، وعلى التزام شرائع اليهود والنصارى، وأنَّ دين الإسلام سينسخ بنبيء من العجم يأتي بدين الصابئين. وبقرآن آخر ينزل عليه جملة واحدة».
ويعقِّب العالم الكبير على هذا بقوله: «قال أبو محمَّد: ألا إنَّ جميع الإباضيَّة يكفِّرون من قال بشيء من هذه المقالات، ويتبرَّأون منه، ويستحلُّون دمه وماله».
والعجيب في الأمر أن ابن حزم يقرِّر أن جميع الإباضيَّة لا يقولون بشيء من آراء ابن أنيسة هذا، ويحكمون على من قال بشيء من هذا بالكفر، ويستحلُّون دمه وماله، فكيف ساغ عنده إذن أن يسوق هذا الرجل وطائفته أوَّلاً في فرق المسلمين وهم ينكرون المعلوم من الدين بالضرورة، ثُمَّ لِمَ اختار أن يجعلهم من الإباضيَّة، وجميع الإباضيَّة كما يقرِّر هو نفسه يكفِّرون من يقول بذلك، هل بينهم وشيجة نسب، أو علاقة مصاهرة، أم نزع عرق أم رابطة صداقة بريئة مجرَّدة؟