الإباضية بين الفرق الإسلامية لعلي معمر
الجزء ١ · صفحة ٤١٤الأوَّل: التكتل الأوَّل يتمثل في موقف أتباع ذلك الصنف الذكي المرن الذي لاحظ أنَّ الحكم ــ حين وصل إلى الأيدي الأموية ــ بدأ يتَّجه إلى ملكية وراثية ممتدَّة ومسيطرة، فرأى أن يستمسك بالجانب الأقوى في الميدان، وجعل وسيلته للسيادة على جمهرة المسلمين هي ارتباطه بالسلطة القائمة فعلا. فارتبط أوَّلاً بالدولة الأمويَّة ثمَّ بالدولة العباسيَّة ثمَّ بالدولة العثمانيَّة، وفيما بين ذلك كان يرتبط ببعض الدول التي تقوم هنا أوهناك ثمَّ تزول. ومن هذا التكتل تكوَّنت مذاهب الأشاعرة والظاهريَّة والحنابلة والمعتزلة.
الثاني: التكتل الثاني يتمثل في موقف أتباع ذلك الصنف العاطفي الذي كان يتأثر بالأحداث منذ وفاة الرسولy،واختيار الناس أبا بكر، دون علي للخلافة حتَّى مقتل الحسين. فرأى أن يجعل وسيلته للتحكم وللسيادة على جمهرة المسلمين هي جوانب عاطفيَّة، فاستمكسك بأهل البيت وحاول أن يحصر فيهم حقّ السيادة والتحكم بطريق الوراثة أو دعوى الوصيَّة المتسلسلة فيهم دون غيرهم، ومن هذا التكتل تكونت مذاهب الشيعة(1) بمختلف فرقها.
الثالث: التكتل الثالث يتمثل في موقف أتباع ذلك الصنف الذي رفض فكرة الواقعيَّة التي تبناها الصنف الأوَّل، ورفض فكرة الوصيَّة الني تبنَّاها الثاني، وجعل وسيلته للوصول إلى الحكم، وللسيادة على جمهرة المسلمين مثالية مطلَّقة في اختيار الحاكم ثمَّ قطع عذر من خالف هذا الرأي ومن هذا الصنف تكونت مذاهب الجمهور.
(1) - يرى بعض المستشرقين وبعض كتاب المقالات في المسلمين المعاصرين أنَّ الشيعة والخوارج حزبان لا شأن لهما بالدين وأنَّ أهل السنَّة مذهب فقهي لا شأن له بالسياسة. وهذا تكلف لا مبرِّر له وتفريق متماثلين وتحكم في أحداث التاريخ. لأنَّ لكلِّ واحد من هؤلاء آراء في السياسة والعقائد والفقه.
راجع إن شئت ــ ما قلناه في نقاشنا للأستاذ أبو زهرة.