الإباضية بين الفرق الإسلامية لعلي معمر
الجزء ١ · صفحة ٤١٥التكتل الرابع: خلال الصراع العنيف بين هذه الأصناف الثلاثة في صدر الدولة الأمويَّة نبت تكتل آخر، وقف موقفا وسطا بين هذه الأصناف المتصارعة والتيَّارات المتعارضة، فلم يتَّخذ كامل مواقف المرونة التي ترضى بالأمر الواقع وتستسلم له مهما كانت الظروف. ولم يتَّخذ كامل موقف الوصيَّة الوراثية الذي يحصر الحكم في أسرة واحدة على مدى التاريخ، ولم يتَّخذ كامل موقف المثالية الدكتاتوريَّة التي تفرض نفسها على جميع الناس. فخالف الصنف الأوَّل حين أجاز الخروج على الحكم القائم إذا ترجَّح أنَّ الخروج يحقق ــ للأمَّة ــ مصلحة، ولاينتج عنه ضرر محقق أكبر مِمَّا هم فيه. وأجاز علَّة كلّ الأحوال الدفاع والشراء لإقلاق الأنظمة القائمة وزعزعتها إذا كانت جائرة. وخالف الصنف الثاني فلم يقبل بالوصيَّة ولم يعترف بنظام الوراثة وقصر الحكم على بيت واحد على مدى التاريخ.
وخالف الصنف الثالث في أنَّه لم يوجب الخروج على أئمة الجور في جميع الأحوال، ولم يفرض مبدأ على جميع الناس، ولم يقطع عذر من خالفه ومن هذا الصنف تكوَّنت مذاهب الإباضيَّة.
ولقد كان لكلِّ واحد من هذه الأصناف اتجاهات لها خطوط عريضة انبنت عليها فيما بعد مذاهبهم في العقيدة والسياسة.