الإباضية بين الفرق الإسلامية لعلي معمر
الجزء ١ · صفحة ٤٢٠أمَّا الخوارج بفرقهم المختلفة فقد وافقوا من موضوع الإمامة موقفا مغايرا تماما لموقفي الفرقتين السابقتين، حتَّى أنَّ صورة عندهم لا تتعدى صورة أي عامل ضعيف ــ رغم الشروط والمواصفات والكفاءات الكثيرة التي يشترطونها فيه ــ يرفع إلى مركز القيادة بكلِّ سهولة، دون أن يكون له أي امتياز خاص أو مكسب، وَلَكِنَّهُ بنفس السهولة، يمكن أن يعزل أو يقتل ذلك أنَّهم يرون أنَّ طاعة الإمام واجبة ما أطاع الله، فإذا خالف وجب عليه أن يسارع بالتوبة، فإن لم يفعل وجب عليه أن يسارع بالتوبة، فإن لم يفعلوجب أن يعزل، فإن لم ينعزل وجب أن يقتل، فإن لم يتيسَّر قتله وجب الخروج عليه، ولا يحلُّ البقاء تحت حكمه. ولم أعرف للخوارج كتبا في الفقه أو الكلام حتَّى أستطيع أن أتأكد من الصورة الصحيحة التي أضعها لهم وإنَّما أعتمد على ما تذكر مصادر غيرهم عنهم.
أمَّا الإباضيَّة فقد وقفوا موقفا متوسطا بين هذه التيَّارات الثلاثة فرفضوا الفكرة التي يقول بها الشيعة، ورفضوا فكرة دكتاتوريَّة المثاليَّة التي توجب الخروج على الأئمة الجورة، وتحرم البقاء معهم على جميع الوجوه، وإنَّما أوجبوا الطاعة عندما تكون الإمامة سائرة بمنهج الشريعة وأجازوا البقاء والخروج حسبما تقتضيه أحوال الناس، وظروف المجتمع ــ إذا كان الحكم جائرا ــ وقد تولَّ عن رأيهم هذا عدد ضخم من القضايا الفقهيَّة والكلاميَّة، وربَّما كانت تفصيلاتهم في موضوع علاقة الأمَّة بالحكم أوفى وأوسع من تفصيلات غيرهم مِمَّا حملهم أن يعتبروا أنَّ مسالك الدين أربعة هي الظهور والدفاع والشراء والكتمان.