الإباضية بين الفرق الإسلامية لعلي معمر
الجزء ١ · صفحة ٤٢١وضد كتب للنصف الأوَّل من هذه المذاهب أن ينجح سياسيا وعدديا بما له من مرونة تساعده على اتخاذ المواقف تبعا لظروف السياسة فكان هذا النصف على مدى التاريخ محتميا ــ أو بعبارة أصح ــ مرتبطا بالسلطة وكانت السلطة تحتضنه في كلّ المواقف الحرجة. ولا شكَّ أنَّ الفقهيه(1) الذي يقوم فيقول: عن سلطان ما هذا أمير المؤمنين وولي سلطان المسلمين! فإذا جاء متسلِّط آخر فقتله وتسلَّم زمام احكم منه ثمَّ جلس في مكانه، قام ذلك الفقيه نفسه فوجَّه إلى الحاكم الجديد نفس العبارة هذا أمير المؤمنين وولي أمر المسلمين، وطاعته واجبة والخروج نه فسق. إنَّ هذا الفقيه الذي يجمع في إمرة المؤمنين وولاية المسلمين بين القاتل والمقتول، هو أقدر على الاحتماء بالحكم واستغلاله وهو أقرب إلى الحكام لأنَّه أطوع في أيديهم وأفيد لهم.
وعلى مقدار المرونة والتشدُّد في قضيَّة الحكم إستطاعت المذاهب أن تمتدَّ وتنتشر تحت ظلال السلطة، بل إستطاعت أن تستغلَّها أحيانا في إذابة المذاهب الأخرى فيها وأن تحتمي بها أحيانا أخرى.
(1) - أقصد بذلك أولئك الفقهاء والمتملِّقين والمتعصِّبين الذين يلتصقون بالحكم يسيرون في ركابهم ويبرِّرون أعمالهم وأنزِّه عن هذه الصورة جميع الأئمة المقتدى بهم لجميع المذاهب الذين خضعوا للحكم المتسلِّط مرغمين ومع ذلك كانت ترتفع أسواطهم بالنقد أحيانا بوضوح وأحيانا بهمس ونذر منهم من لم يلحقه الأذى بسبب ذلك. فابن جبير يقتل والحسن يطارد حتَّى يختفي وجابر يمنع من الحج وأبو حنيفة يضرب بالسياط ومالك يخلع عاتقه وأحمد يجلد غيرهم، ومن لم ينله الأذى المادي ناله الأذى الأدبي.