الإباضية بين الفرق الإسلامية لعلي معمر
الجزء ١ · صفحة ٤٣٥ربما يحتاج هذا الكلام الأخير إلى مزيد من التأمل والتحقيق إذ ليس بين أيدينا ــ ما يثبته، ولكن الذي ألايد أن أقرره هنا، أنَّ مراعات الجانب الديني في كلمة الخوارج لوحظت منذ أطلقت هذه الكلمة، إذا صحَّ ما ترويه كتب التاريخ عن أحاديث المروق، واهتمام الإمام بها وبعلاماتها، وإذا صحَّت أيضًا تلك الأحاديث وما تدلّ عليه، والأرجح أنَّ أغلبها غير صحيح، أمَّا الاعتزاز برأي أو مذهب فهو يتوالد عن الاقتناع باتخاذ موقف معيّن في قضيَّة ما، والاقتناع بأنَّ ذلك الموقف حق، ولا شكَّ أنَّ الإبَاضِية ــ كغيرهم ــ يعتزُّون بمواقفهم وآرائهم التي يعتقدون أنَّها حق، ولكنَّهم لا يعتزُّون بما ينسبه إليهم غيره ويريد أن يلصقه بهم مِمَّا لا يعتقدونه ولا يقولونه.
إنَّ اعتزاز الإنسان بالموقف الذي يتخذه في أيَّة قضيَّة لاعتقاده أنَّه حقّ هو سلوك طبيعي. ولكن أن نرفض على إنسان موقفًا معيَّنًا ثُمَّ نريد منه أن يعترف به ثُمَّ نطلب منه أن يعتزَّ به فهذا ما لا يرضاه أنسان يتمتَّع بحريَّة وعقل وإرادة.
وهذا الموقف نفسه هو ما يريده المؤرخون وكتاب المقالات وحتى بعض المفكرين المعاصرين من حملة الشهادات العليا، إنهم يريدون أن يفرضوا على الإبَاضِية بأنَّهم خوارج وأن يعترف الإبَاضِية الإبَاضِية بأنَّهم خوارج وأن ينسبوا لأنفسهم ــ باعتبارهم خوارج ــ عقائد وآراء لا يقولون بها بل يعتبرون القائلين بها كفَّرًا ــ وليس هذا فحسب بل عليهم أن يعتزّوا بذلك الموقف كأنما الإبَاضِية فرقة مسرحيَّة تنتظر أوامر المخرج. ولكي يهون الأمر على الإبَاضِية فينسبون إلى أنفسهم الخارجيَّة ثُمَّ يعتزّون بها نقدّم لهم المعتزلة ــ قدوة حسنة ــ فهم رغم أنَّهم منشقون إِلاَّ أنَّهم معتزُّون باسم المعتزلة.