الإباضية بين الفرق الإسلامية علي بن يحيى معمر

الإباضية بين الفرق الإسلامية لعلي معمر

الجزء ١ · صفحة ٤٤

والشخص الذي يقام عليه الحدُّ لا يخلوا إمَّا أنْ يقام عليه الحدُّ بعد اعترافه وإعلانه للتوبة كـ«ماعز» مثلاً، فهذا لا يختلف اثنان في صدق توبته ووجوب ولايته، وإمَّا أن يجب عليه الحدُّ ويقام وهو مصرٌّ على معصيته ولا يعلن التوبة مِمَّا ارتكب، وهذا لا خلاف بين اثنين من الإباضيَّة في وجوب البراءة منه، فما كان لمؤمن صادق الإيمان أن يضفي محبَّته وولاءه على إنسان يجاهر الله بالمعصية ويصرُّ على ذلك. وأنا أظنُّ أنَّ الحدَّ في حالة التوبة تطهير وفي حالة الإصرار عقوبة، وفي كلتا الحالتين لا يُتجاوز تقدير الشارع فيه، ولا فرق بين من أقيم عليه الحدُّ من العصاة ومن لم يقم عليه، بل إنَّ الكبائر كلَّها ما كان عليه حدٌّ وما لم يكن ــ عند الإباضيَّة ــ موجبة للبراءة وليس أكثر من البراءة؛ ومعنى البراءة هي البغض والجفاء في الله بسبب ارتكاب المعصية، وعدم الدعاء بالمغفرة والرحمة للعصاة، وليس أكثر من ذلك.

ولو عنى الإمام ابن حزم نفسه قليلاً لعرف حقيقة أحكام الإباضيَّة وسيرتهم ــ ولا سيما وقد عاش في الأندلس ــ وقد كانت الدولة الرشيديَّة قائمة في الجزائر قبل ذلك بقليل وسيرة أئمَّتها كانت حينئذ لا تزال متناقلة بين الألسنة، وطرق إقامة الحدود وإجراء الأحكام في تلك الدولة كان مِمَّا يقصُّه الناس بعضهم على بعض ويتحدَّثون به، كما كان في إمكان الإمام ابن حزم أن يحصل في ذلك الحين على بعض الكتب الفقهيَّة ويعرف منها رأي الإباضيَّة الحقيقيَّ في إقامة الحدود، ولكنَّ الإمام ابن حزم انساق في التيار السابق، تيَّار السخط على ما حسبه فرقًا مخالفة بدافع شديد لا شعوريٍّ يقوِّيه السخط، ورغبة ملحَّة في التشنيع على تلك الفرق. وقد أضاف إلى ما ذكره في كتابه من تلك الشنائع المختلفة شنائع أخرى زعم أنَّها من مشاهداته.

قال في كتابه (الفصل في الملل والنحل) ص 189 ما يلي:

«

٤٤ / ٥١١