الإباضية بين الفرق الإسلامية لعلي معمر
الجزء ١ · صفحة ٤٤٧أمَّا المثال الذي ضربته لإيضاح التأثر والتأثير برجال الحديث والتفسير واليهود بسبب الإسرائيليات التي تسرَّبت إلى بعض كتب الحديث والتفسير، فاسمح لي أن أقول لك: إنَّني لا أوافقك عليه مطلقا، وأنَّ هذا التشبيه إساءة إليهم.
فرجال الحديث والتفسير عندما تسرَّبت إليهم الإسرائليات لم تتسرَّب إليهم من اليهود مباشرة، ولم تنتج عن لقائهم واحتكاكهم بهم، فقد كانوا أبعد من أن يستمعوا إليهم، وأشدَّ نفرة من أن يصدِّقوهم، وأكثر ورعا من أن يأخذوا عنهم، وإنَّما تسرَّبت الإسرائليات على يد ناس أظهروا الإسلام واتّضصفوا بالورع والزهد والتقوى، ولزموا المساجد والدروس والوعظاء حتَّى وثق الناس بهم، باعتبارهم مسلمين صادقين جمعوا إلى علمهم بالإسلام علمهم بالديانات السابقة، وكانوا يدرسون مكائدهم تارة باعتبارهم علماء أخذوا من الكتب السابقة، وتارة ينفثونها في خفاء بتحريف بسيط في المبنى أو المعنى، أو بإثارة شبهات تفترق بسببها الأمَّة ويستمسكون هم بالفكرة الضالَّة فيها ويرجِّحون، ويتتباكون على الإسلام بسبب ما ألحقه به مخالفوهم في ذعاويهم فجازت على بعض المفسِّرين والمحدِّثين باعتبارها علوما أو أخبارا تلقَّوها من مسلمين موثوق بهم جمعوا إلى علم القرآن علم التوراة أو الإنجيل.
وأحسب أنَّ الزعم بأنّض علماء الحديث والتفسير ــ على روعهم ــ قد تأثروا باليهود أو النصارى، هكذا على الإطلاق، فيه إساءة إليهم، ونيل من مقامهم، وتشكيك في علوم الحديث والتفسير.