الإباضية بين الفرق الإسلامية علي بن يحيى معمر

الإباضية بين الفرق الإسلامية لعلي معمر

الجزء ١ · صفحة ٤٤٩

قال أبو العبَّاس المبرد في الكامل عن الإباضيَّة «هو أقرب الفرق إلى السنَّة» وجاءت أيد فينا بعد أطلقت على نفسها أهل السنَّة واعتبرت نفسها ميزانا للشريعة الإسلاميَّة، ومرَّت بها عبارة أبي العبَّاس المبرد، فنقلتها نفس مصادرها ــ ممكنة على الإباضيَّة ــ بعد تعديل بسيط، وقالت: عنهم «هو أقرب الفرق إلى أهل السنَّة » بزيادة كلمة أهل على تعبير المبرد، وهكذا أصبح ما عندهم هو الحقّ الذي لا مرية فيه وما عند الآخرين يقاس بهم، فبمقدار قربه أو بعده عنهم يعطي درجة التقويم، وغير مهم لديهم وقد أثبتوا لمذهبهم هذه الدرجة إن بقيت السنَّة مسكوتا عنها وأنَّها في الدرجة الثانيَّة من مذاهبهم.

أخي الدكتور رغم صيحة الفرحة التي خرجت منك، ورغم حصولك على الاعتراف الخطي، رغم كلّ ذلك فأنا لا أعتبر الإباضيَّة فرقة من الخوارج أبدا. ورغم أنَّ من ينسبهم إلى الخوارج هو أقرب منهم، واستنكر منه ذلك استنكارا تاما وأتجاوز كلّ ذلك فأعدهم أصحاب مذهب كالمالكيَّة والشافعيَّة، وادعى أيضًا أنَّ خدمتهم للشريعة الإسلاميَّة أصولا وفروعا، عقائد وفقها، لا تقل بحال من الأحوال عمَّا قدَّمته تلك المذاهب، وأضيف إلى كلّ هذا أنَّ أغلب المذاهب الإسلاميَّة إِنَّمَا اعتمدت في انتشارها وحياتها على خدمتها للسياسة وسيرها في ركاب الدول، وأنَّها في كثير من الأوقات تقف مواقف المرونة والتخلِّي عن الأساسيات مراعاة للحكام المتجبِّرين، وأنَّ آلة الحكم الظالمة استغلَّتها استغلالا فظيعا لإقرار الظلم أو مجانبة العدل، وأنَّ الإباضيَّة لم يعتمدوا على ذلك ولم يستغلُّوا الحكم في حدِّ النفود وإطالة البقاء، ولم يستغلُّوه في حمل أصحاب المذاهب الأخرى على ترك مذاهبهم والانتساب إلى مذهب الدولة.

فلم يكن الإباضيَّة في يوم من الأيَّام آلة للسياسة، وإذا تعاونوا معها تعاونوا على حدود ما يبيحه الشرع أو يدعو إليه، ولذلك تخلَّت عنهم السياسة بل وحاربتهم.

٤٤٩ / ٥١١