الإباضية بين الفرق الإسلامية لعلي معمر
الجزء ١ · صفحة ٤٥٢ولا شكَّ أ،َّ الصراعات المذهبيَّة ــ فقهيَّة وكلاميَّة ــ كانت متأثرة إلى حدّ ما بالظروف السياسيَّة والخضوع لدولة واحدة. ومع ذلك فإنَّ الخصومة تدلّ بين صفوف من يطلق عليهم لفظ أهل السنَّة لم تكن أخف ولا أقلّ مِمَّا بينهم وبين غيرهم، وقد استعملت من هذا المجال الضيق بين هذه الفرق نفسها جميع الأسلحة التي استعملت في الميدان الواسع بين المذاهب من التفسيق والتكفير وإبطال الصلاة وليس ذلك في الفروع فقط، وإنَّما استعمل في الفروع وفي الأصول أصول الفقه وأصول الدين. ولعلّ مِمَّا يوضح هذه الصورة أن نستعرض بعض ما كان يجري بين فرق ( أهل السنة) من خصومات تثبت تمامًا أنَّه لا أساس ولا صحَّة للصور التكتّميَّة التي عرضتها بعض الأقلام وإنَّما كان واقع المسلمين أنَّ كلّ فرقة منهم تحاول أن تدلّل على صحّة ما هي عليه وبطلان ما عليه الآخرون.
وقد اخترت ثلاثة كتب مختلفة لأنقل منها صورًا عن الخلاف الذي كان يقع بين فرق أهل السنَّة والمدى الذي يبلغه أحيانًا من العنف يصل إلى حدّ القسوة.
الكتاب الأول: «مصادر التشريع الإسلامي فيما نصّ فيه» للأستاذ عبد الوهاب خلاف طبعه دار القلم 1392هـ جاء في ص130. ما يلي:
«ومن تأمّل ما حدث بين أئمة المذاهب من التشاجر والتنافر، على صحّة ما قلنا، حتَّى أنَّ المالكيَّة استقلّوا بالمغرب، والحنفيَّة بالمشرق، فلا يفارق أحد المذهبين أحدًا من غيره في بلاده إِلاَّ على وجه ما، وحتى بلغنا أنَّ أهل جيلان من الحنابلة إذا دخل عليهم حنفي قتلوه، وجعلوا ما له فيئاً، حكمهم في الكفار.
حتَّى بلغنا أنَّ بعض بلاد ما وراء النهر من بلاد الحنفيَّة كان فيه مسجد واحد للشافعيَّة، وكان والي البلد يخرج كلّ يوم لصلاة الصبح فيرى ذلك المسجد فيقول: أمَا آن لهذه الكنيسة أن تغلق؟
فلم يزل كذلك حتَّى أصبح يومًا وقد سدَّ باب المسجد بالطين واللبن فأعجب الوالي ذلك.