الإباضية بين الفرق الإسلامية علي بن يحيى معمر

الإباضية بين الفرق الإسلامية لعلي معمر

الجزء ١ · صفحة ٤٥٩

ولعلَّ القصَّة الثانية تمثل صورة مضحكة في الخصومات العنيفة مِمَّا كان يقع بين أتباع المذاهب، فقد نقل التعاريتي عن كتَّاب الحيوان القصَّة التالية: أمَّا السلكان محمود بن سبكتكين كان حنفي المذهب، وكان مولعًا بعلم الحديث، وكان يسمع عند إمام الحرمين الحديث، ويسأل عن معناه فيجد أكثره موافقًا لمذهب الشافعي، فجمع فقهاء المذهبين والتمس منهما الكلام في ترجيح أحد المذهبين فوقع الاتِّفاق على أن يصلّي بين يديه ركعتين على مذهب الشافعي ثمَّ على مذهب الإمام أبي حنيفة، والسلطان ينظر إلى ذلك ويختار الأحسن فصلّى القفال المزوري بطهارة سابغة، وشرائط معتبرة من الطهارة والسترة واستقبال القبلة، وأتى بالأركان والهيئات والسنن والالفاظ والآداب على وجه الكمال، وكانت صلاة لا يجوز الشافعي دونها، ثمَّ صلّى ركعتين على ما يجوز أبو حنيفة فلبس جلد كلب مدبوغًا، ولطّخ بعضه بالنجاسة وتوضّأ بنبيذ التمر، وكان ذلك في صميم الصيف فاجتمع عليه

///ص499///

الذباب والبعوض، وكان وضوؤه منكسا منعكسًا، ثمَّ استقبل القبلة وأحرم للصلاة من غير نيَّة في الوضوء، وكبَّر بالفارسيَّة وقرأ بها ثمَّ نقر كنقرات الديك من غير فصل بينها ومن غير طمأنينة وتشهد وضرط في آخرهما وخرج من غير نيَّة السلام، وقال أيُّها السلطان هذه صلاة أبي حنيفة.

هذا وقد اورد التعاريتي صورًا كثيرةً في الخلاف في العقائد (أصول الدين) بين أصحاب المذاهب الأربعة نستخلص منها الصور الآتية، وسوف نذكر ما يقوله الإباضيَّة فيها، ومنها يتضح للقارئ الكريم أن التقارب بين الاباضية ــ في هذه المسألة وهي أصول ويبين الأشعريَّة ــ أشدَّ كثيرًا من التقارب بين الأشعريَّة والماتريديَّة وأشدَّ كثيرًا أيضًا من التقارب بين الاباضية والمعتزلة وإلى القارئ الكريم هذه الصور:

٤٥٩ / ٥١١