الإباضية بين الفرق الإسلامية لعلي معمر
الجزء ١ · صفحة ٤٦ابن حزم يزعم أنَّه سأل من هو مقدَّمهم في علمهم ومذهبهم فلم يعرفوا شيئًا عن ابن إباض. فكيف علم أنَّهم يبرأون منه، وهل يعقل أن يبرأ ناس من شخص لا يعرفونه ولا يعرفون عنه شيئًا!
هل اهتمَّ العالم الكبير حقًّا بالتثبُّت أو ذهب يسأل عن الإباضيَّة وإمامهم؟ أم هي صورة من نسج الخيال يقصد منها التشنيع دون معرفة شيء حقيقيٍّ؟ لو أراد ابن حزم التحقُّق لاستطاع الاتِّصال بعلماء الإباضيَّة بالفعل ولذكر أسماء أولئك العلماء أو المقدَّمين الذين يعتبر قولهم حجَّة في الموضوع؛ أو أن يطَّلع على كتبهم ويستمدَّ منها الحقائق التي تُناقش ولا تنكر. وفي الصورة السابقة يبدو لي أنَّ ابن حزم سمع عمَّن ينتسب إلى الإباضيَّة في الأندلس وقد يكون من سمع عنه من العوامِّ، وقد يكون صاحب سطوة أو ثروة اشتهر بسببها بين الناس فذهب إليه ابن حزم يسأله عن إمامه ابن إباض، فلم يجد عنده شيئًا. ولو سلكنا هذا المسلك اليوم ــ على انتشار الثقافة ــ مع ثمانين في المائة من أتباع المذاهب لكانت النتيجة واحدة شبيهة بما توصَّل إليها ابن حزم، فلو أنَّك أخذت تردِّد السؤال: مَن محمَّد بن إدريس؟ على من يصادفك من أتباع الشافعيِّ، بل حتَّى على بعض المقدَّمين من التجَّار وأصحاب المزارع الكبيرة وغيرهم لما وجدت عند الكثير منهم ما تريد من المعارف، ولا يزيد الكثير منهم على أن يردِّد ذلك السؤال في لهجة فيها استغراب، وأحسنهم حالاً من يضيف إلى ذلك فيقول لك: هو إمامنا العظيم، أو هو الإمام العظيم، أو إمام المذهب الشافعيِّ، أو ما يشبه هذا مِمَّا لا غناء فيه. فهل نستطيع أن نبني على ذلك حكمًا ونقول قد سألنا عن الشافعيِّ أتباعه أو بعض المقدَّمين من أتباعه فلم يعرفوا عنه شيئًا.