الإباضية بين الفرق الإسلامية علي بن يحيى معمر

الإباضية بين الفرق الإسلامية لعلي معمر

الجزء ١ · صفحة ٤٧٨

عندما قرأت هذه الملاحظة ذكرت كلّ ما قلته في المقدمة، وذلك أنَّ بعض الناس يعتنقون آراء المعاينة تنسب إلى تلك الفرق ثُمَّ هم لا يتحزحون عن تلك الآراء أبدًا مهما صاح أصحاب الفرقة قائلين إنَّ تلك الآراء ليست لهم، وصاحب الملاحظة قد استقرَّ في ذهنه إلى أنَّ الإبَاضِية من الخوارج، فهو غير مستعد لأن يزحزح هذه الفكرة عن خاطره مهما قيل. ثُمَّ هو قد وضع في ذهنه أنَّ الخوارج يوجبون الخروج، ولما كان الإبَاضِية ــ حسب ما استقرَّ في ذهنه أنَّ الخوارج يوجبون الخروج، فالإبَاضِية أيضًا يوجبون الخروج، وهو غير مستعد أن يتنازل عن هذه الآراء أو الفرضيَّات مهما كانت الظروف. حتَّى لو جاء الإبَاضِية من أولهم إلى آخرهم وقفوا في طابور واحد وأقسموا له لما سمع منهم، يوجد من هذا النمودج كثيرون، فهم عندما يجري بينك وبينه حوار لا يحمّلون أنفسهم مشقَّة سماع ما تقول ولا فهم، وإنَّما يريدون أن تسمع منهم وأن تسلم لهم ما يقولون وإلاَّ فأنت متعصب.

والمناقشات والدراسات حين تكون مع هذا النص عن النصف بين الناس ثقيلة جدًّا، وغير ذات جدوى، والآمال التي يعلقها الباحث اليوم على ما يقال عنه التحرر الفكري والمنهج العلمي والدراسة الواعية إنما تفيد مع من لم يقرّر مسلّمات لا يتحول عنها، وقد تركت الرواسب السابقة في أذهان الطبقات المرتفعة من المرتفعين أوهامًا في ثياب حقائق هم أشد استمساكًا بها وحرصًا عليها من العوام على عقائدهم وتقاليدهم، ومع هذا فهاأنا أعود إلى الموضوع لأجري فيه مناقشة أخرى وإن كانت خيبة الأمل في تقدير الحجَّة والعزوف عن سماعها وفهمها لا تزال تقبض على نفسي.

٤٧٨ / ٥١١