الإباضية بين الفرق الإسلامية لعلي معمر
الجزء ١ · صفحة ٨٠ومن هذه الصور الموجزة يتَّضح أنَّ الإباضيَّة كانوا بعداء جدًّا عن الموقف الذي تصوَّرهم فيها الأستاذ الغوابي من كثرة الحروب أمَّا من حيث تقرُّبهم إلى غيرهم من المسلمين فلا شكَّ أنَّ هذا واقع ولكن ليس على الأساس الذي ظنَّه الأستاذ الغوابي ولكن على الأساس الذي أشار إليه رسول الله (ص): «إنَّكم لن تسعوا الناس بأموالكم، فسعوهم بحسن أخلاقكم» أو كما قال.
أمَّا من حيث اتِّساع المدارك ومعرفة خلف الإباضيَّة ما ليس يعرفه سلفهم، فهم في هذا كبقيَّة المسلمين، ولا شكَّ أنَّ العلوم في تقدُّمٍ والفكر في اتِّساعٍ، وهذا في جوانب علوم الحياة أمَّا من حيث علوم الشريعة فربَّما يكون العكس هو الصحيح. وهذا ليس بالنسبة للإباضيَّة فقط، وإنَّما بالنسبة لجميع المسلمين، ذلك أنَّ السلف ــ لقربهم من عهد النبوَّة ــ أعلم بمصادر التشريع من كتاب وسنَّة، وأقرب إلى فهمها فهمًا أصحَّ، وما يقال في السنَّة يقال في الإجماع، ذلك أنَّ الإجماع بمعناه المعروف عند الأصوليِّين لم يقع بعد عهد السلف، فهو وإن اعتبر من مصادر التشريع إِلاَّ أنَّه لم يقع بعد ذلك العهد، أمَّا الإجماع الذي سبق عهد السلف وأعني به الإجماع الذي وقع زمن الخلافة الرشيدة وهو إجماع الصحابة فهم أعرف به، لأنَّهم هم الذين نقلوه إلى الخلف؛ بقيت مصادر التشريع الأخرى كالقياس والاستدلال مِمَّا هو مجال للاجتهاد واستنباط الأحكام في الحوادث والنوازل، فلا شكَّ أنَّ ثروة المتأخِّرين منه أكثر من ثروة المتقدِّمين، وكلَّما امتدَّت الحياة بالناس أضيف إلى هذا الباب كثير من الأحكام. ويتَّضح من هذا أنَّ خلف الإباضيَّة لم يكونوا أوسع مدارك من سلفهم، وكذلك بقيَّة مذاهب الأمَّة وهذا من حيث استيعاب مصادر التشريع الأساسيَّة التي هي الكتاب والسنَّة والإجماع.