الإباضية بين الفرق الإسلامية لعلي معمر
الجزء ١ · صفحة ٨١أمَّا الفقرة الثانية من الأسباب التي افترضها في سلف الإباضيَّة وهي اعتبارهم من عرب البادية وفيهم سذاجة وعدم عمقٍ في التفكير. فهي صورة قد تردَّدت كثيرًا على أقلام المستشرقين عندما يكتبون عن الفتوح الإسلاميَّة بأيدي العرب. فهم يصوِّرن حركة الفتوح بأنَّها هجمات مجموعات بشريَّة من بدو الصحراء ضاقت بهم الحياة وحملهم شظف العيش على المغامرة بغزو العالم المتحضِّر لمكاسب ماديَّة. وأنَّ هذه المجموعات البشريَّة البدويَّة من السذاجة وسطحيَّة التفكير بحيث استطاعت «قيادة ذكيَّة» أن توجِّههم حسب مطامحها فتستفيد منهم وتحصل بسببهم على انتصارات رائعة.
هذه النغمة أو هذه الصورة التي يرسمها المستشرقون ــ لهوى في نفوسهم ــ للمسلمين الفاتحين هي نفس النغمة التي ردَّدتها بعض المصادر في وصف الخوارج عموما، وهي نفس الصورة التي أضافها [لعلَّه: أضفاها] الكاتب المحترم على الإباضيَّة.
وقد يحقُّ لنا أن نتساءل: كيف استطاع الأستاذ الغوابي أن يحكم بأنَّ أفق خلف الإباضيَّة أكثر انفساحًا من أفق سلفهم، وهو لم يذكر أنَّه قرأ شيئًا من آراء السلف وآراء الخلف في مصادرهم وإنَّما أخذ ما أخذ عنهم من مصادر غيرهم؟، ثُمَّ من أين عرف أنَّهم بدو وفيهم سذاجة وسطحيَّة تفكير وهو لم يتح له أن يقرأ لهم ولم يتح له أيضًا أن يعرف تاريخهم، اللهمَّ ما عدا الصور الصغيرة المشوَّهة التي يعرضها غيرهم لتنفير الناس منهم.