الإباضية بين الفرق الإسلامية لعلي معمر
الجزء ١ · صفحة ٩٧وبعد كلّ هذا ألا يحسُّ أستاذنا أبو زهرة بأنَّ اعتباره الإباضيَّة فرقة من الخوارج أمر يدعو إلى التساؤل حين يحمل آراءهم في تلك الفقرات التي سبق أن ذكرناها والتي هي ليست خاصَّة للإباضيَّة وإنَّما هي آراء جميع الأمَّة الإسلاميَّة فهي ليست قضايا غير مجموعة من الناس باعتبارها خاصَّة بهم لا يقول بها غيرهم، وإذا تجاوزنا الفقرة الأولى التي نقلها الأستاذ بحروفها والتي وضعها واضعوها بقصد الإبهام والإيهام فإنَّه يقرِّر أن الإباضيَّة يحرِّمون دماء مخالفيهم ويعتبرون دارهم دار إسلام ولا يستحلُّون من غنائم المسلمين أثناء الحرب معهم إِلاَّ السلاح، ويجوِّزون شهادة مخالفيهم والتزوُّج منهم والتوارث معهم، وهل غيرهم من المذاهب يرون غير هذا الرَّأي؟ ويقولون بغير القول إذا اسثنينا بعض الشواذ من جميع المذاهب الذين تتغلَّب عليهم العصبيَّة ويوجِّههم الغلوُّ، كما ذكرنا أمثلة من ذلك في بعض الفصول السابقة. ويبدوا لي أنَّ الأستاذ أبا زهرة أراد أن يتَّبع أسلوبا واضحا يتخلَّص من رواسب الماضي، ويتحرَّر من أصابع السياسة التي صنعت كثيرا من ذلك الماضي لَسهُل عليه من بادئ الأمر أن يشرح كلمة الكفر بالمعنى الشرعيِّ لها والذي حرص الإباضيَّة على استعماله فقال: إنَّ الإباضيَّة يستعملون كلمة الكفر بمعنى كفر النعمة أو المعصية أو الفسوق، فإذا أطلقوا كلمة الكفر على التَّوحيد فالمقصود كفر النعمة أو العصيان، كما يعبر بعض المذاهب، وإذا اتَّضح هذا المعنى لكلمة الكفر لم يحتج للأسلوب الملتوي الذي يستعمله الأقدمون، كما أنَّه لا حاجة به إلى كلمة المخالفين التي دسَّتها السياسة الماكرة في هذه المباحث وحرص عليها كتَّاب المقالات دون اهتمام بمصدرها ومدلولها. والعصيان قد يكون بسبب المقارفة، وقد يكون بسبب الإهمال، وقد يكون بسبب الخطإ في التأويل.