الفصل الثالث أدلة القائلين بخلود جميع مرتكبي الكبائر في النار
الجزء ١ · صفحة ٢٠٧أصحاب استقلال الفكر في هذا الزمان على الدخول فيه، والقول بأن معنى خلود الكافرين في العذاب طول مكثهم فيه، لأن الرحمن الرحيم الذي سبقت رحمته غضبه ما كان ليعذب بعض خلقه عذاباً لا نهاية له، لأنهم لم يهتدوا بالدين الذي شرعه لمنفعتهم لا لمنفعته، ولكنهم لم يفقهوا المنفعة، وإذا كان التقليد مقبولاً عند الله - كما يرى فاتحو الباب - فقد وضح عذر الأكثرين لأنهم مقلدون لعلمائهم - .. الخ ما يتكلم به الناس ولا سيما في هذا العصر، فإن هذه المسألة قديمة، وهي أكبر مشكلات الدين، نعم إن العلماء يحتجون عليهم بالإجماع ولو سكوتياًّ، ولكن التأويل باب لا يكاد يسده متى فتح شيء. اهـ (1)
وكلامه هذا يشير إلى ما ذكرته قبل، من أن تأويل الخلود بالمكث الطويل دون التأبيد إذا قيل به في وعيد طائفة لزم منه أن يحمل عليه ما جاء من الخلود في وعيد غيرها، بل يترتب عليه تسويغ مثله في وعد المؤمنين بالخلود في الجنة، وقد أشار إلى مثل ذلك في تفسير سورة النساء (2)، وبهذا ينتقض على قول من يحصر الخروج من النار في الموحدين مذهبهم للزوم أن يقولوا مثله في المشركين، وأن يقولوا بانتهاء نعيم الجنة إلى أمد.
-1
قوله تعالى: (فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون) الآية 275 من سورة البقرة، ووجه الاستدلال بالآية أنها وعيد لأكلة الربا وهم غير مشركين، لأن الآية في معرض التحذير من أكل الربا بعد تحريمه.
واعترض بأن هذا الوعيد ليس على أكل الربا بل هو على استحلاله، بدليل ما جاء في صدرها من حكاية قولهم المعارض لحكم الإسلام في الربا
(1) المنار ج1 ص363/ 364، ط4 دار المنار
(2) المنار ج5 ص343، ط4 دار المنار