الحق الدامغ أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

الفصل الثالث أدلة القائلين بخلود جميع مرتكبي الكبائر في النار

الجزء ١ · صفحة ٢٠٨

(إنما البيع مثل الربا) الآية 275 من سورة البقرة، والمُسْتَحِل لما حرم الله بالنص القطعي كالربا مشرك بالإجماع، فلا يعم حكم الخلود مرتكبي الكبائر دون الشرك. والجواب أن حمل الوعيد على الاستحلال دون الأكل يهون من وقْع أوامر الله تعالى ونواهيه في نفوس العباد، ويقلل من أهمية حكم الحرمة في المحظورات، على أن سياق ما قبل وما بعد هذه الآية إنما هو حظر الربا، وتغليظ أمره على الناس، وليس ذكر ما يقوله مستحلوه مخرجاً لهذا الوعيد عما يقتضيه السياق، وإلا لما كانت فائدة في شيء مما ذكر قبلها أو بعدها.

وقد تفطن لذلك الإمام محمد عبده فأتى في كشف اللثام عن مخدرات معاني الآية للأفهام بما لخصه صاحب المنار حيث قال: (أي ومن عاد إلى ما كان يأكل من الربا المحرم بعد تحريمه فأولئك البعداء عن الإتعاظ بموعظة ربهم الذي لا ينهاهم إلا عما يضرُّ بهم في أفرادهم أو جميعهم، هم أهل النار الذين يلازمونها كما يلازم الصاحب صاحبه فيكونون خالدين فيها.

وقد أول الخلود المفسرون لتتفق الآية مع المقرر في العقائد والفقه من كون المعاصي لا توجب الخلود في النار، فقال أكثرهم إن المراد ومن عاد إلى تحليل الربا واستباحته اعتقاداً، ورد بعضهم بأن الكلام في أكل الربا، وما ذكر عنهم من جعله كالبيع هو بيان لرأيهم فيه قبل التحريم، فهو ليس بمعنى استباحة المحرم، فإذا كان الوعيد قاصراً على الاعتقاد بحله لا يكون هناك وعيد على أكله بالفعل.

والحق أن القرآن فوق ما كتب المتكلمون والفقهاء؛ يجب إرجاع كل قول في الدين إليه، ولا يجوز تأويل شيء منه ليوافق كلام الناس، وما الوعيد بالخلود هنا إلا كالوعيد بالخلود في آية قتل العمد، وليس هناك شبهة في اللفظ على إرادة الاستحلال.

٢٠٨ / ٢٣٩