الفصل الثاني أدلة المثبتين للرؤية
الجزء ١ · صفحة ٣٧تالله ما القول بذلك إلا تنظير لموسى بأنذال بنى إسرائيل وإنزالٌ له عليه السلام من علياء النبوة التي رفعه الله إليها، واصطفاه من أجلها، إلى دركات الجهل التي انحط إليها أسلاف اليهود، الذين سألوا رؤية الله فحقت عليهم كلمة الله باستحقاق هو أن الدنيا وعذاب الآخرة.
وبعد ما حررته هنا اطلعت على ما يسند حجته ويجلو وجهه من تحرير للمقام، بقلم شيخ الإسلام المحقق الخليلي رحمة الله عليه، فرأيت أن انقله بنصه ليزدان جيد كلامي بسمط كلامه الدرِّي، قال - بعد تبيانه مقصود موسى من سؤاله: "وشاهد هذا قوله تعالى حكاية عن إبراهيم عليه السلام: (فلما جن عليه الليل رأى كوكبا قال هذا ربي فلما أفل قال لا أحب الآفلين فلما رأى القمر بازغا قال هذا ربي فلما أفل قال لئن لم يهدني ربي لأكو نن من القوم الضالين فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي هذا أكبر فلما أفلت قال يا قوم إني بريءٌ مما تشركون) فانظر كيف جاز لإبراهيم عليه السلام أن يتكلم بلفظة الشرك ثلاث مرات مخبرا بها عن نفسه من غير مندوحة، ولا في موضع تقية على نفس ولا دين ولا مال، وليس هو مجبراً على ذلك ولا مأخوذا به، وقد كان له في الاحتجاج بغير هذا مجال رحب وسعة، وقد احتج عليهم بغيره في غير مرة، كما صرح به في كتاب الله تعالى، ولكن رأى خطابهم على هذا الأسلوب والجري معهم على هذه الطريقة أقطع لحجتهم، وأدمغ لكلمتهم، وأبلغ لتبكيتهم، وأوضح لإعجازهم، فأثنى الله عليه بذلك وحكى ما قاله هنالك، وقال تأييدا له: (وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه) الآية 83 من سورة الأنعام
وإذا كانت كلمة إبراهيم عليه السلام بالشرك الصريح - لما كانت مسوقة لهدم قواعد الشرك ومقولة لإيضاح الحق - لم تسّم شركا لفظا ولا معنى، ولا عقلا ولا حكما، فكيف يصح في مقالة موسى