الحق الدامغ أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

الفصل الثاني أدلة المثبتين للرؤية

الجزء ١ · صفحة ٣٩

- قول الله سبحانه (ولكن انظر إلى الجبل فان استقر مكانه فسوف تراني) الآية 143 من سورة الأعراف، ووجه الاستدلال بالآية، أنه تعالى علق الرؤية على استقرار الجبل، وهو في ذاته ممكن، والمعلق على الممكن ممكن مثله.

وأجيب بأنه لا إمكان بعدما حصل من اندكاك الجبل، وانكشف من قضاء الله فيه الذي لا يمكن أن يكون المقضي بخلافه، فإنه تعالى لا تبديل لكلماته، وقد كان في علمه تعالى أنه لن يستقر، ولن يتبدل شيء عما كان في علمه، وإنما كان استقراره ممكنا بحسب علم المخلوقين القاصر المحدود، قبل أن ينكشف لهم باندكاكه ما في علمه تعالى وقضائه، وفي هذا يقول الإمام ابن عاشور " ولما كان استقرار الجبل في مكانه معلوما لله انتفاؤه، صح تعليق الأمر المراد تعذر وقوعه عليه بقطع النظر عن دليل الانتفاء، فلذلك لم يكن في هذا التعليق حجة لأهل السنة على المعتزلة تقتضي أن رؤية الله تعالى، جائزة عليه تعالى خلافا لما أعتاد كثير من علمائنا من الاحتجاج بذلك.

وقوله: (فسوف تراني) ليس بوعد بالرؤية على الفرض، لأن سبق قوله: (لن تراني) أزال طماعية السائل الرؤية، ولكنه إيذان بأن المقصود من نظره إلى الجبل أن يرى رأي اليقين عجز القوة البشرية عن رؤية الله تعالى بالأحرى مع عدم ثبات قوة الجبل، فصارت قوة الكلام أن الجبل لا يستقر مكانه من التجلي الذي يحصل عليه، فلست أنت بالذي تراني لأنك لا تستطيع ذلك، فمنزلة الشرط هنا منزلة الشرط الامتناعي الحاصل بحرف " لو" بدليل قرينة السابق (1).

2 - وأما من السنة: فما روي عن جماعة من الصحابة رضوان الله تعالى عليهم من إثبات رؤيته صلى الله عليه وسلم لربه ليلة الإسراء والمعراج، ووجه استدلالهم

(1) / التحرير والتنوير ج9 ص92/ 93 ط الدار التونسية للنشر

٣٩ / ٢٣٩