جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل (نسخة ب، 1447ص)
الجزء ٣ · صفحة ٣١٧والقرية هي الأرض العامرة بالسكان المستقرة بأهلها، مأخوذة من قريت الماء بمعنى جمعته في الحوض، وسميت بذلك لجمعها بيوتا وأسواقا ومعابد ومصانع، وغيرها، من المباني التي تعد من معالم الحضارة، وضروريات المدنية، وفي هذا ما يدل على أن اسم القرية غير خاص بالجامع الصغير للناس، بل يطلق عليها وعلى المدن ذات العمران الواسع، وما تعورف عليه من التفرقة بين المدينة والقرية بأن الأولى هي المجمع الواسع الذي يضم عددا أكبر من السكان ودورا أوسع في العمران، والثانية ما كان على العكس من ذلك هو اصطلاح ناشئ لا تحمل عليه عبارات القرآن، بل استعمال القرآن يدل على خلاف ذلك، فإن الله سبحانه عندما يذكر أهل القرى يريد بهم أولئك الجبارين الذين استعلوا على الخلق، وأنفروا من الحق، وكذبوا الرسل، وعاثوا في الأرض فسادا، وآذوا الناس بالقهر، وقد وصفهم عموما بأنهم كانت حضارات راقية، وقوى مكينة واسعة، فاسمعوا إن شئتم إلى قوله: ( ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم وأرسلنا السماء عليهم مدرارا وجعلنا الأنهار تجري من تحتهم )(2) ، وقوله: ( أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا أشد منهم قوة وأثاروا الأرض وعمروها أكثر مما عمروها )(3) ؛ وتجدون فيما وصف الله به عادا وثمود وقوم فرعون وغيرهم ما يدلكم على أنهم كانت لهم مدن واسعة مغرية بسعة عمرانها وكثرة سكانها، ومع ذلك فقد سماهم الله أهل القرى في مواضع من كتابه كالذي تجدونه في سورة هود بعد أن قص الله نبأ قوم نوح وقوم هود وقوم صالح وأصحاب مدين وقوم لوط وفرعون وآله حيث قال: ( ذلك من أنباء القرى نقصه عليك )(4) وقال: ( وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة )(5) ، وحكى الله عن أبناء يعقوب قولهم: ( واسأل القرية التي كنا فيها )(6) ، مع العلم بأنهم كانوا في بلدة جمعت فيها خزائن الأرض، والتقت فيها القوافل، وتزاحمت بها الأقدام،