جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل (نسخة ب، 1447ص) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل (نسخة ب، 1447ص)

الجزء ٣ · صفحة ٣١٨

وهذا ما لا يكون عادة إلا في المدن الكبرى التي اصطلحوا على تسميتها عواصم وحكى عن المشركين قولهم: ( لولا نزل هذا القرآن على رجلٍ من القريتين عظيم )(7) ، ومرادهم مكة والطائف، وكلتا البلدتين كانتا من البلدان العربية المتسعة المعمران.

واختلف في هذه القرية، فقيل: هي بيت المقدس، وهو قول قتادة والسدي والربيع أخرجه عنهم ابن جرير، واستدل له بقول الله تعالى حاكيا عن موسى عليه السلام : ( يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم )(8) ، وتُعقِّب بأنهم لم يدخلوا الأرض المقدسة في أيام موسى عليه السلام لأن موسى مات في التيه وقد افتتحوها بعدما خرجوا منه بقيادة خليفته يوشع بن نون عليهما السلام، ورد بأن قائل ( ادخلوا القرية ) مبهم فلا يلزم أن يكون موسى، ولا مانع أن يكون يوشع.

وهذا الرد مردود بما في سورة المائدة، فإن الآية قبل قوله: ( ادخلوا الأرض المقدسة .......الخ )(9) صريحة بأن قائل ذلك موسى عليه السلام ، وذلك قوله سبحانه: ( إذ قال موسى لقومه يا قوم اذكروا نعمة الله عليكم......الخ )(10) ، وكذا المحكي عنهم من جوابهم له وهو قولهم: ( يا موسى إن فيها قوما جبارين....الخ )(11)

فلا يستقيم تفسير القرية بالأرض المقدسة إلا مع القول بأن موسى هو قائل ذلك لهم، اللهم إلا أن يقال إن القصة المحكية هنا وفي سورة الأعراف غير المحكية في سورة المائدة وذلك أن ما في سورة المائدة كان قبل معاقبتهم بالتيه بل كانت تلك المعاندة منهم هي سبب وقوعهم فيه كما هو واضح من قوله تعالى ردا على شكوى موسى: ( فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض فلا تأس على القوم الفاسقين)(12) ، أما هذه القصة فهي قصة دخولهم الأرض المقدسة بعد مقاتلتهم للجبارين في عهد يوشع عليه السلام ، وذلك بعد خروجهم من التيه، وكان هذا الأمر على لسان يوشع، وهذا هو الذي يتعين في الجمع بين شتات هذه المحكيات.

١٬١٣٧ / ١٬٤٤٧