جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل (نسخة ب، 1447ص)
الجزء ٣ · صفحة ٣٣٣و ( تعثروا ) كترضوا، ماضيه عثى كرضى، ومضارعه يعثى كيرضى، وقياس مصدره عثاً على وزن فعل – بالتحريك – غير أن هذا المقيس لم ينقل العرب، وإنما المنقول عنهم عُثىُّ- بكسر العين وضمها وتشديد الياء- وعثيان – بالتحريك – هذه هي لغة أهل الحجاز، وعليها أجمع القراء، أما عند غيرهم فهو عثا يعثوا عُثوا، نحو سما يسمو سُموا، وأصله مطلق الإفراط، وغُلِّب على الإفراط في الفساد، وقيل هو أشد الفساد، وقيل مطلقه، وعلى الأول فالحال مبينة، وعلى الأخيرين مؤكدة، وحمله الزمخشري على التمادي، وعليه فإن المنهي عنه استمرارهم في الفساد الذي هم واقعون فيه، ويستنتج - على هذا الوجه، وعلى بعض الوجوه السابقة- من هذا النهي أنهم كانوا موغلين في الغي، منهمكين في الفساد - كما هو واضح مما وصفوا به في الآيات السابقة وغيرها- فنهوا عن الاستمرار في الغي، والتمادي في هذا الفساد في معرض الامتنان عليهم بما هم في أشد الحاجة إليه من الطعام والشراب اللذين ساقهما الله إليهم من غير عناء ولا تكلف ليكون ذلك أدعى إلى الطاعة والامتنان، فإن من شأن المأمور أن يبادر إلى طاعة الآمر، ويتحرى مرضاته عندما يشعر بسوابغ نعمه تحيط به من كل جانب في حال هو فيها أشد ما يكون حاجة إليها، ولكن بني إسرائيل – بما ران عليهم من الضلالة وتراكم على نفوسهم من الهوى – تعفنت فطرهم وخبثت عقولهم فلم تزدهم المراعظ إلا بعدا عن الحق ولم يزدهم التذكير إلا ظلما وعتوا.
وبهذا الذي قررته يندفع ما قد يخطر ببالكم من التساؤل؛ لماذا نهوا عن أشدد الفساد والإفراط فيه، أو عن التمادي عليه مع وجوب اجتناب الفساد قليله وكثيرة وعدم الوقوع فيه رأسا؟ ولعل من فسر العثى بمطلق الفساد نظر إلى الاشتقاق الكبير الذي يجمع بين عثى وعاث مع أن عاث بمعنى أفسد.