جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل (نسخة ب، 1447ص)
الجزء ٣ · صفحة ٣٨٣ولكتاب المقالات في الأديان والفرق مجال واسع في الحديث عن الصابئين، وتجد مقالاتهم فيها تلتقي تارة وتفترق تارة أخرى، وملخص ما قيل عنهم أنهم قوم يقدسون الروحانيين، ويتعصبون لهم، معتقدين أن للعالم صانعا حكيما مقدسا عن صفات النقص والحدثان، وأن الوصول إلى جلاله مستحيل، فلذلك يتقربون إليه بالمتوسطين الذين يعتقدون أنهم مقربون عنده وهم الروحانيون الذين طُهروا تطهيرا، وفُطروا على التقديس والتسبيح، لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، ولا يتورعون عن وصفهم بالربوبية والإلوهية كما يعتقدون شفاعتهم عند الله وهو رب الأرباب، وبجانب ذلك يعبرونهم متوسطين في الاختراع وتسيير أحوال الكون لاستمدادهم القوة من الحضرة الإلهية، ومنهم يفيض ما يفيض منها على الموجودات السفلية ويعتقدون اختصاص كل من الروحانيين بهيكل معين له فلكه الخاص، ويبدو أنهم يتجهون إلى هذه الهياكل في عبادتهم لاعتقادهم حلول الروحانيين بها، وكونهم منها بمثابة الأرواح من الأجساد، ولذلك قال من قال فيهم: إنهم يعبدون الكواكب، وقال آخرون: يعبدون الملائكة، ويعدُّون طهارة النفس وتزكيتها بقدر اقترانها من الطبائع، الروحانية وتجردها من آثار القوى الغضبية والشهوانية، لأنها تكون بذلك أكثر انسجاما وتآلفا مع الروحانيين الذين يتقربون إليهم، ونُسب إليهم أنهم يزعمون أنهم على دين نوح عليه السلام ، وإنما المشهور عن أوائلهم أنهم يدعون عند المعلمين الأولين للصابئة هما عامون مهرمز، وهما شيت بن آدم وإدريس عليهما السلام، ولا يعترفون بنبوة غيرهما، وكانت لهم مملكة بالعراق، فلما ظهر عليها الفرس قضوا على مملكتهم ومنعوهم من عباداتهم، ولعل هذا الذي دعا بعض العلماء إلى القول بأنهم من المجوس، وتسلط الروم على صابئة الشام، فلما تنصر قسطنطين إمبراطور الروم حملهم بالسيف على التنصر، وهذا الذي جعلهم في حكم النصارى حتى عملوا معاملتهم في الإسلام، والنصارى تسميهم