جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل (نسخة ب، 1447ص)
الجزء ٣ · صفحة ٣٩١وهذا الذي جوزه صاحب المنار هو الذي عول عليه الإمام ابن عاشور مضعفا ما عداه، وهذا نص قوله: ( أخذ الميثاق عليهم بواسطة موسى عليه السلام أن يعملوا بالشريعة وذلك حينما تجلى الله لموسى عليه السلام في الطور تجليا خاصا للجبل فتزعزع الجبل وتزلزل وارتجف وأحاط به دخان وضباب ورعود وبرق كما ورد في صفة ذلك في الفصل التاسع عشر من سفر الخروج، وفي الفصل الخامس من سفر التثنية، فلعل الجبل من شدة الزلازل وما ظهر حوله من الأسحبة والدخان والرعود صار يلوح كأنه سحاب، ولذلك وُصف في آية الأعراف بقوله: ( وإذ نتفنا الجبل فوقهم كأنه ظلة ) ( نتفه: زعزعه ونقضه )، حتى يُخيل إليهم أنه يهتز، وهذا نظير قولهم ( استطارة إذا أزعجه فاضطرب، فأعطوه العهد وامتثلوا بجميع ما أمرهم الله تعالى. وقالوا: ( كل ما تكلم به نفعله فقال الله لموسى فليؤمنوا بك إلى الأبد )، وليس في كتاب بني إسرائيل ولا في الأحاديث الصحيحة ما يدل على أن الله قلع الطور من موضعه ورفعه فوقهم، وإنما ورد ذلك في أخبار ضعاف فلذلك لم نعتمده في التفسير )(7) .
وكلامه واضح في أنه التبست عنده قصة بقصة، فجعل القصتين قصة واحدة، وهما اندكاك الطور عندما تجلى له الله بآياته الكبرى، ورفعه فوق بني إسرائيل عندما أُخذ عليهم الميثاق، مع أن اختلاف القصتين بينِّ لمن تدبرها فآية التجلي ذكرت اندكاك الجبل وآيات الميثاق ذكرت رفعه وشتان بين الأمرين، والاستدلال بما عند أهل الكتاب على مقاصد التنزيل غير سديد بعد ثبوت تحريفهم لما أنزل، ولبسهم الحق بالباطل.