جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل (نسخة ب، 1447ص)
الجزء ٣ · صفحة ٣٩٢ويؤيد قول الجمهور تشبيه الجبل بالظلة – وهي السحابة سميت بذلك لإظلالها من تحتها – فإن هذا التشبيه لا يتفق مع بقاء الجبل مكانه مستقرا في الأرض كما يؤيده أن الرفع لو أُريد به ما ذكر من علو الجبل لم تكن فائدة من ذكره في هذا السياق، فإن الجبل بحالته الطبيعية ليس مرفوعا في هذه الحالة فحسب ولا على بني إسرائيل فقط، بل ارتفاعه منذ خلق وفوق كل من يأتي تحته، وما ذكر من ظنهم وقوعه بهم بنفي كل لبس في المعنى ويجتث كل شبهة في التأويل لأن الوقوع لغة هو السقوط، والسقوط المخشي إنما هو سقوط ما كان بالجهة العلوية لا بالجهة المحاذية، ومن ناحية أخرى فإن الجبل مع بقائه على حاله متمكن في الأرض بقراره فيها فلا معنى لظنهم – مع ذلك – أنه واقع بهم.
والنتق يطلق على الرفع بالجذب الشديد الذي تكون معه زعزعة كنتق الغرب .
وأخذ الميثاق هو تكليفهم بمضمون التوراة، وقيل: هو ما دل عليه قوله تعالى: ( وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله )(9) والآية التي بعدها والصحيح الأول بدلالة ( خذوا ما آتيناكم ) عليه.
وكثير من أهل العلم تصوروا إشكالا في القصة حاصله أن فيها ذكر إكراها على قبول التكليف، والأصل في التكليف أن يكون المكلف على حالة يتمكن فيها من القبول والرفض، فإن قبل سعد، وإن رفض شقي، واستدلوا لذلك بقوله تعالى: ( لا إكراه في الدين )(10) ، وقوله: ( أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين )(11) .
واختلفوا في الإجابة على هذا الإشكال الذي تصوروه، منهم من قال إن الله خلق في نفوس بني إسرائيل – والجبل مظل فوقهم – الاختيار فاختاروا القبول، ومنهم من قال: إن هذه الحالة لا تعد إكراها إذ لو ظل الجبل كذلك لألفوه كما ألفنا نحن وغيرنا من الناس الأجرام السماوية فوقنا من غير أن نخشى تساقطها علينا، ومنهم من قال بأن عدم الإكراه في التكليف خاص بهذه الأمة؛ وهي إجابات عارية عن الدليل.