جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل (نسخة ب، 1447ص) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل (نسخة ب، 1447ص)

الجزء ١ · صفحة ١٢٥

فلا مجال للسخرية بين الناس لا يسخر رجال من رجال ولا نساء من نساء، فقد يكون المسخور منه عند الله خيرا من الساخر، ولو كان في هذه الدنيا أضعف وأفقر وأقل جاها عند الناس ممن سخر منه، وفي هذا ما يمنع الناس أن يتطاولوا بما آتاهم الله على من يرونهم دونهم فلا يهزأ غني بفقير ولا قوي بضعيف ولا شريف بوضيع ولا أبيض بأسود إذ لا يعلم لعله عند الله خيرا منه، وكذلك النساء ليس لامرأة أن تتطاول على غيرها بجمالها أو مالها، أو منزلتها أو أصالتها لأن هذه الأمور كلها لا وزن لها عند الله وإنما الوزن للتقوى وهي منافية لها، ولا يصح لأحد أن يلمز أخاه لأنه كأنما يلمز بذلك نفسه، ولذلك قال الله في الآية(ولا تلمزوا أنفسكم) وفي ذلك ما يوحي بوجوب ترابط المشاعر والأحاسيس بين المسلمين فكل ما يصيب الفرد يصيب المجموعة واللمز هو الطعن باللسان ونبرات حروف هذه الكلمة تجسد وقع هذا الطعن كأنما يحسه القارئ أو السامع واقعا عليه وكثيرا ما يخلع الناس على غيرهم ألقابا توحي بالسخرية وتؤذي أصحابها، فلذلك شدد الله تعالى في الألقاب في قوله (ولا تنابزوا بالألقاب) وأكد هذا المنع بقوله(بئس الإسم الفسوق بعد الإيمان) فليس لأحد أن يدعو أو أن يذكر أخاه إلا بأحب أسمائه إليه لأن من واجب كل أحد أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه وبين- تعالى- خطورة الإصرار على مثل هذه الأعمال حيث قال (ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون) ولأجل المحافظة على متانة الصلة بين المسلمين حرم اتباع الشكوك والظنون في قوله (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنْ الظَّنِّ إ ) ( الحجرات/12) فلا يحق لمسلم أن يظن بأخيه إلا خيرا وإذا رأى منه شيئا حمله على أحسن الظنون ما دام هنالك احتمالـ، كما حرم التجسس ولا تقتصر هذه الحرمة على المسلم وحده، بل التجسس ممنوع على المسلم وغيره ليبقى كل إنسان آمنا في ظل الإسلام والتجسس إنما هو استكشاف للعورات وتنقيب عن المساوئ وهذا

١٢٥ / ١٬٤٤٧