جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل (نسخة ب، 1447ص) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل (نسخة ب، 1447ص)

الجزء ٤ · صفحة ١٠

وفي هذا التوجيه بعد وتكلف كأول توجيهي ابن عطية، وإنما يسوغ عوده على النفسين باعتبار ما في كل منهما من الدلالة العمومية، وحمل النصر على التوفيق لبلوغ المراد، فالنفس الأولى لا تبلغ مرادها في جدوى جزائها أو شفاعتها أو فديتها، كما أن النفس الثانية ليست ببالغة أمنيتها من إجداء ذلك لها ودرء العذاب عنها.

وفسر بعضهم النصر هنا بالانتقام كالذي في قوله: ] ونصرناه من القوم الذين كذبوا بآياتنا [[14]

وتوجيه هذا التفسير أنهم لا ينتقم لهم من الله – تعالى الله – للإثار لهم مما أنزل لهم من العذاب.

وما ذكر هنا من عدم جزاء نفس عن نفس شيئا في ذلك اليوم… الخ جاء منسقا حسبما عهد في هذه الدنيا من طرق الدفع عن الحميم عندما تنزل به كريهة من عدو قاهر فإن أول ما يبدأ به ذوو مودته أن يدفعوا عنه بمالهم من جاه ومكانة اجتماعية تجعل ذا القهر يتراجع عما كان ينويه بحميمهم، فإن لم يجدهم ذلك توسلوا إليه بلين القول ولطف الشفاعة ليسخُو بالعفو مع قدرته على العقاب، فإن سُدَّ في وجوههم هذا الباب جادوا بالمال وبذلوا الفدية، فإن تعذر ذلك كله لجأوا إلى التحالف على النصرة والتوسل بالعنف إلى ما لم يجدِ فيه اللطف، وقد آيس الله المجرمين من جدوى أية وسيلة من هذه الوسائل في تخليصهم من عقابه بعد أن نحق عليهم كلمته.

وقُدم في هذه الآية نفي قبول الشفاعة على نفي أخذ الفدية بخلاف آية ( 123 ) وذلك قوله: ] ولا يقبل منها عدل ولا تنفعها شفاعة [ ، وهذا الاختلاف في التعبير، إنما هو بحسب اختلاف طبائع الناس في هذه الدنيا، فإن منهم من يكون أحرص على سلامة المال، ومنهم من يكون أحرص على استبقاء علو النفس والمحافظة على شرفها: فالصنف الأول يؤثرون التوسل بالشفاعات – في التخلص من المكاره – على بذل المال، والصنف الثاني يعدون المال فدية للشرف فيحرصون على عدم الضراعة وطلب العفو المحض ما دام بذل المال يسد مسد ذلك، أفاد ذلك الفخر الرازي[15].

١٬٣٢٩ / ١٬٤٤٧