جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل (نسخة ب، 1447ص) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل (نسخة ب، 1447ص)

الجزء ٤ · صفحة ٣٤

واعترضوا بعدم جواز قياس الكمال الإلهي المطلق على الكمال البشري المحدود، فإن استحسان خلف الوعيد من الناس إنما لأجل ما يطغى عليهم حالة الغضب والانفعال من العواطف الرعناء التي تؤدي بهم إلى التهديد والوعيد بالعقوبات المفرطة، ولا غرو أن يعد التراجع عنه – بعد تحكيم منطق العقل وهدوء سورة الانفعال – من الخصال المحمودة والفضائل المستحسنة، والله تعالى مبرأ عن كل ذلك، فلا يصح حمل شأنه على شأن خلقه، على أن إخلاف الوعيد قد يكون مذموما حتى لو كان من قبل البشر، ألا ترون أن الحاكم الذي يتوعد المجرمين بالعقوبات الرادعة ثم ينثني عنها لا يعد انثناؤه من المحامد لما يترتب عليه من التشجيع على الإجرام، ولذلك مدحت العرب من ينجز الوعيد كما مدحت من يخلفه، ومن ذلك قول الشاعر:

وقد اعترض أبو عثمان النهدي بهذين البيتين على أبي عمرو ابن العلاء عندما احتج عليه بالبيتين السابقين على جواز إخلاف الله لوعيده .

والقول بخلف الوعيد يفضي إلى الاستخفاف بالأوامر والنواهي وعدم المبالاة بانتهاك الحرمات وتضييع الواجبات مادامت النفس مطامعة في تبديل الوعيد بخلاف ما إذا كانت قاطعة بإنجازه، ولذلك أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يذكر بالقرآن من يخشى وعيد الله لجدوى التذكير فيهم: ] فذكر بالقرآن من يخاف وعيد [[50].

]وإذ نجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب يذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم [ [51] .

شروع في تفصيل النعم بعدما ذكرت مجملة في لفظ (نعمتي) المفيدة للاستغراق ، لأن تعريف اسم الجنس بأل أو الإضافة دال على قصد جميع أفراد مدلولاته ، وقبل الشروع في هذا التفصيل ذكروا بنعمة كبرى تعد أساسا لهذه النعم – وهي تفصيلهم على العالمين – وذلك لأجل تحريك هممهم الخاملة عن الخير وإثارة عزائمهم المتوانية عن الحق كما سبق تفصيله .

١٬٣٥٣ / ١٬٤٤٧