جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل (نسخة ب، 1447ص)
الجزء ٤ · صفحة ٤٨وفصلت هنا جملة ) يذبحون أبنائكم ( لأجل كون تذبيح الأبناء من أكبر أنواع العذاب لما فيه من الإيلام النفسي ، فهي هنا مبدلة من جملة ) يسومونكم سوء العذاب ( ووصلت في سورة إبراهيم للدلالة على أن هناك أنواعاً أخرى من العذاب كانوا يسامونها ، وقد رويت عن مفسري السلف روايات في بيان أنواع هذا العذاب يفيد مجملها أن جميع الأعمال الشاقة والرديئة كانوا يحملونها دون غيرهم ، وبالجمع بين فائدتي الفصل في هذه السورة والوصل في سورة إبراهيم يستفاد أن هذه البديلة هنا هي بديلة بعض من كل ، وأن العطف هناك عطف هناك عطف خاص على خاص .
ولا معنى لقول القرطبي إن الواو في (سورة إبراهيم) زائدة مستدلاله بقول الشاعر :
"فلما أجزنا ساحة الحي وانتحى" ، أي قد انتحى ،وقول الآخر:
والذي دعا القرطبي إلى القول بزيادتها قبل (انتحى) من الشاهد الأول توهمه أن انتحى جواب للشرط وليس كذلك ، فإن جواب الشرط في أول البيت الذي يليه ونص البيتين :
وأما الشاهد الثاني فقد نظر فيه إلى وحدة المعطوف والمعطوف عليه من حيث الذات ونسى أنه من باب عطف الصفات بعضها على بعض ، فالمعطوف فيه غير المعطوف عليه ، وإن يكن الموصوف بها واحدا ، وقد تقدم ذلك .
والذي رجح العطف في سورة إبراهيم سبق قول الله فيها : ) وذكرهم بأيام الله ( [10] ، فإنه يشير إلى نعم متعددة أسبغها الله عليهم في هذه الأيام ، وإنما عظم شأن هذه النعم حتى عبر عن أوقاتها بأيام الله لعظم الشدائد التي سبقتها ، فبقدر هول المحنة تعظم نعمة الخلاص منها .
وقراءة الجمهور (يذبحون) بالتشديد ، وقرأ ابن محيصن بالتخفيف والتشديد أبلغ لدلالته على الكثرة ، و الذبح معروف وأصله الشق ، ولذا يسمى تشقق الأصابع ذباحا .