جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل (نسخة ب، 1447ص)
الجزء ٤ · صفحة ٥٣وسوغ العلامة ابن عاشور هذا الرأي تسويغه للرأي الذي قبله ، وأجاز أن يكون ندم فرعون على إطلاقهم ناشئا عن إغراء بعض أعوانه بصدهم عن الخروج لما في خروجهم من إضاعة الأعمال التي كانوا يسخرون فيها ، أو لأنه لما رآهم سلكوا غير الطريق المألوف لاجتياز مصر إلى الشام ظنهم يرومون الانتشار في بعض مملكته المصرية فخشي شرهم إن هم بعدوا عن مركز ملكه ومجتمع قوته وجنده[8] .
ورأي الجمهور عندي أولى بالصواب لأمرين :
أولهما : موافقته لظواهر الآيات كما أسلفنا على أن من الآيات ما يدل دلالة واضحة بأن فرعون عندما شاهد آيات الله العظام التي نزلت به وبقومه وما أصابهم من الرجز طلب من موسى عليه السلام أن يدعو ربه برفع الرجز ، ووعده بالإيمان له وإرسال بني إسرائيل معه إذا ما تحقق مطلوبه هذا ، وكان هذا الوعد معلقا على رفع الرجز فلما تحقق ذلك نكث في عهده وأصر على عناده ، والدال على ذلك قوله تعالى : ] ولما وقع عليهم الرجز قالوا يا موسى ادع لنا ربك بما عهد عندك لئن كشفت عنا الرجز لنؤمنن لك ولنرسلن معكم بني إسرائيل فلما كشفنا عنهم الرجز إلى أجل هم بالغوه إذا هم ينكثون [[9] ، ومن الظاهر أن هذا النكث كان في كلا الأمرين ، الإيمان به وإرسال بني إسرائيل معه ، ولم يكن في أحدهما دون الآخر ، ولا مساغ للتعلق بنصوص التوراة المحرفة ، مع معارضتها نصوص القرآن الذي صانه الله عن أيدي العابثين على أن التوراة نفسها لا تخلو مما يدل على أن خروج بني إسرائيل من مصر لم يكن بإخراج من فرعون إذ عبرت عنه تارة بالهروب .