جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل (نسخة ب، 1447ص) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل (نسخة ب، 1447ص)

الجزء ٥ · صفحة ٧

لئن كانت هذه الآية الكريمة تفيد انقسام القرآن الكريم إلى قسمين: متشابه ومحكم بحسب ما يكون من وجوه الإختلاف في دلالته – كما سيأتي إن شاء الله – فإن من آياته ما يدل على أنه جميعاً مُحكم، وما يدل على أنه جميعاً مُتشابه، فقد دلَّ على إحكامه جميعاً قوله تعالى: ﴿الَر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ هود1، وما تكرر من وصفه في آيات شتى بأنه كتاب حكيم وقرآن حكيم، فإن الحكيم فيها بمعنى المًحكم، ودل على تشابهه جميعاً قوله تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُّتَشَابِهاً﴾ الزمر23، وذلك لا ينافي انقسامه إلى مُحكم ومتشابه كما تُؤذن به هذه الآية الكريمة، فإن هذا الانقسام إنما هو باعتبار معنى غير المعنى الدال على إحكامه جميعاً وتشابهه جميعاً، فإن وصفه كله بالإحكام أنه في غاية الإتقان من حيث لفظه ومن حيث معناه، فقد أتقن الله عز وجل تركيب حروفه وكلماته، وأبدع تناسب سوره وآياته، ولذلك بهر العالمين ببلاغته وتساقطت همم بلغاء العرب عن محاولة مجاراته، فإن كلماته جميعاً رُصفت رصفاً لا يمكن أن تنتهي إلى مثله مَلكات البشر، فلذلك تلاحمت هذا التلاحم الذي أخذ بالألباب، إذ لو استبدلت كلمة منها بغيرها لنبت عن سائر الكلمات وتعذر هذا الذي نراه بينها من الإنسجام، ولم يكن ذلك في الكلمات وحدها بل هو أيضاً في الحروف التي تركبت منها، وذلك بالنظر إلى مخارجها وصفاتها وإيحاءاتها وهو ما لا يوجد في سائر الكلام.

١٬٤٠٥ / ١٬٤٤٧