جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل (نسخة ب، 1447ص)
الجزء ١ · صفحة ٢٥٤فعلى الأول يطلق على ما من شأنه العلم، فيقال عالم البشر وعالم الملائكة وعالم الجن وعالم الشياطين، وعلى الثاني يطلق على كل ما كان علامة على وجود الله سبحانه فيشمل الكائنات كلها فإن كل ذرة في الوجود هي حجة قاطعة على وجوده سبحانه ودليل ساطع على صفاته اللائقة بجلاله ومن ثم يقول الإمام ابن أبي نبهان رحمهما الله:" إن كل ذرة في الوجود هي كلمة من كلمات الله سبحانه دالة على معرفته ناطقة بتوحيده وما عداها فهو كالشرح لتلك الكلمة" ونظرا إلى الاختلاف في اشتقاقه كلمة " العالم" وما توحيه الاقرائن اختلف المفسرون في المراد بالعالمين هنا فقيل يراد به السماوات والأرض وما فيها وما بينهما رواه ابن جرير عن حبر الأمة ابن عباس رضي الله عنهما وروى عنه أن المراد بالعالمين الإنس والجن وهو محكى عن سعيد بن جبير ومجاهد واستدل له بقوله تعالى(تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا) (الفرقان/1) وقال الفراء وأبو عبيدة: يراد به العقلاء وهم أربعة أمم الإنس والجن والملائكة والشياطين ونسبه صاحب المنار إلى الإمام جعفر الصادق وأصح هذه الأقوال القول الأول لأن أحسن ما فسر به القرآن القرآن نفسه، والله تعالى يقول: (قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِين قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إنْ كُنتُمْ مُوقِنِينَ) (الشعراء/23، 24) وكل ذرة في الكون هي بحاجة إلى الرعاية والإصلاح والتنمية من قبل الله تعالى إذ لو تخلى سبحانه عن أي كائن في هذا الوجود في أقل من لحظة لما قر له قرار، وتربية الله سبحانه تغمر كل كائن دقيقا كان أو جليلا وما من شيء إلا وهو ناطق بلسان حاله معلنا افتقاره إلى الله ذي الجلال ومن هنا ساغ أن يجمع العالم- مع صدقه على ما يعقل وما لا يعقل- جمع العاقل فيقال العالمون إذ لا فرق بين العاقل وغيره في دلالة حاله على احتياجه إلى واجب الوجود